ابن عجيبة

561

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم نزل في شأن طعمة ، لما هرب وارتد مشركا : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 115 إلى 116 ] وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ( 115 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 116 ) قلت : المشاقة : المخالفة والمباعدة ، كأن كل واحد من المتخالفين في شقّ غير شقّ الآخر . يقول الحق جل جلاله : وَمَنْ يخالف الرَّسُولَ ويتباعد عنه مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى أي : بعد ما تحقق أنه على الهدى ؛ بالوقوف على المعجزات ، فيترك طريق الحق وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أي : يسلك غير ما هم عليه ، من اعتقاد أو عمل . نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى أي : نتركه مع ما تولى ، ونجعله وليا له ، ونخلّى بينه وبين ما اختاره من الضلالة ، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ أي : ندخله فيها ، ونشويه بها ، وَساءَتْ مَصِيراً أي : قبحت مصيرا جهنم التي يصير إليها . والآية تدل على حرمة مخالفة الإجماع ، لأن الله رتّب الوعيد الشديد على مشاقة الرسول ، واتباع غير سبيل المؤمنين ، وكل منهما محرم ، وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرما ؛ كان اتباع سبيلهم واجبا ، انظر البيضاوي . ثم نزل في طعمة لما ارتد مشركا : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وقيل : كرر للتأكيد تقبيحا لشأن الشرك ، وقيل : أتى شيخ إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فقال : إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أنى لم أشرك باللّه شيئا منذ عرفته وآمنت به ، ولم أتخذ من دونه وليا ، ولم أوقع المعاصي جرأة ، وما توهمت طرفة عين أنى أعجز الله هربا ، وإني لنادم تائب ، فما ترى حالي عند الله ؟ فنزلت . وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ ، فَقَدْ ضَلَّ عن الحق ضَلالًا بَعِيداً ؛ لأن الشرك أقبح أنواع الضلالة ، وأبعدها عن الثواب والاستقامة ، وإنما ذكر في الآية الأولى . فَقَدِ افْتَرى ؛ لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب ، ومنشأ شركهم نوع افتراء ، وهو دعوى الشيء على اللّه . قاله البيضاوي . الإشارة : كل من خالف شيخه ، وسلك طريقا غير طريقه ؛ ولاه الله ما تولى ، واستدرجه من حيث لا يشعر ، وقد تؤخر العقوبة عنه فيقول : لو كان هذا فيه سوء أدب مع الله ، لقطع الإمداد وأوجب البعاد ، وقد يقطع عنه من حيث لا يشعر ، ولو لم يكن إلا وتخليته وما يريد . وبالجملة : فالخروج عن مشايخ التربية والانتقال عنهم ، ولو إلى من هو أكمل في زعمه ، بعد ما ظهر له الفتح والهداية على يديه ؛ طرد وبعد ، وإفساد لبذرة الإرادة ، فلا نتيجة له أصلا . والله تعالى أعلم . وبالله التوفيق .