ابن عجيبة
556
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ذلك ، فحقكم أن تكونوا أصبر وأرغب في الجهاد منهم ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بأعمالكم وضمائركم ، حَكِيماً فيما يأمركم به وينهاكم . الإشارة : لا تهنوا عن طلب الظفر بنفوسكم ، ولا تفشلوا عن السير إلى حضرة ربكم ، فإن كنتم تألمون حال محاربتها ومخالفة شهواتها ، فإنها تألم مثلكم ، ما دامت لم ترتض في حضرة ربكم ، فإذا ارتاضت وتحلت صار المر عندها حلوا ، وذلك إنما يكون بعد موتها وحياتها ، فدوموا على سياستها ورياضتها ، فإنكم ترجون من الله الوصول ، وبلوغ المأمول ، وهي ترجو الرجوع إلى المألوفات وركوب العادات ، فاعكسوا مراداتها ، حتى تطمئن في حضرة ربها ، فتأمن غوائلها ، فليس بعد الوصول رجوع ، ولا إلى العوائد نزوع ، والله غالب على أمره . ثم ذكر ما يتعلق بحفظ اللسان ، وهو الأمر الخامس من مضمون السورة ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 105 إلى 109 ] إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ( 105 ) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 106 ) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ( 107 ) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ( 108 ) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 109 ) قلت : أرى ، هنا عرفانية ، لا علمية ، فلذلك لم تتعد إلى ثلاثة . يقول الحق جل جلاله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - حين همّ أن يخاصم عن طعمة بن أبيرق ، وذلك أنه سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان ، في جراب دقيق ، فجعل الدقيق يسقط من خرق فيه ، وخبّأها عند يهودي ، فالتمس الدرع عند طعمة ، فلم توجد ، وحلف ما أخذها ، وما له بها علم ، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها ، فقال اليهودي : دفعها إلىّ طعمة ، وشهد له ناس من اليهود ، فقال رهط طعمة من بنى ظفر : انطلقوا بنا إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فنسأله أن يجادل عن صاحبنا ، وقالوا : إن لم يفعل هلك وافتضح ، وبرئ اليهودي ، فهمّ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم اعتمادا على ظاهر الأمر ، ولم يكن له علم بالواقعة ، فنزلت الآية :