ابن عجيبة

549

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : لا يستوى القاعد مع حظوظه وهواه ، مشتغلا بتربية جاهه وماله وتحصيل مناه ، غافلا عن السير إلى حضرة مولاه ، مع الذي سلّ سيف العزم في جهاد نفسه وهواه ، وبذل مهجته وجاهد نفسه في طلب رضاه ، حتى وصل إلى شهود أنوار جماله وسناه ، هيهات هيهات ، لا يستوى الأحياء مع الأموات ، فإن قعد مع نفسه لعذر يظهره ، مع محبته لطريق القوم وإقراره لأهل الخصوصية ، فقد فضّل الله عليه المجاهدين لنفوسهم بدرجة الشهود ومعرفة العيان للملك الودود ، وإن قعد لغير عذر مع الإنكار لأهل الخصوصية ، فقد فضّل الله عليه المجاهدين أجرا عظيما ، درجات منه بالترقي أبدا ، ومغفرة ورحمة ، وفي البيضاوي : التفضيل بدرجة في جهاد الكفار ، وبدرجات في جهاد النفس ؛ لأنه الأكبر للحديث . والله تعالى أعلم . ثم ذكر حكم من تخلف عن الهجرة والجهاد حتى مات ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 97 إلى 99 ] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ( 97 ) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ( 98 ) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ( 99 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ تتوفاهم الْمَلائِكَةُ أي : ملك الموت وأعوانه ، يعنى : تقبض أرواحهم ، ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بترك الهجرة ومرافقة الكفرة ، قالُوا أي : الملائكة في توبيخهم : فِيمَ كُنْتُمْ أي : في أي شئ كنتم من أمر دينكم : أعلى الشك أو اليقين ؟ أو : في أي بلد كنتم : في دار الكفر أو الإسلام ؟ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ فعجزنا عن الهجرة وإظهار الدين خوفا من المشركين ، قالُوا أي : الملائكة تكذيبا لهم وتبكيتا : أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها إلى قطر آخر ، كما فعل المهاجرون إلى الحبشة والمدينة ، لكن حبستكم أموالكم ، وعزّت عليكم أنفسكم ، فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ لتركهم الهجرة الواجبة في ذلك الوقت ، ومساعدتهم الكفار على غزو المسلمين ، وَساءَتْ مَصِيراً أي : قبحت مصيرا جهنم التي يصيرون إليها . نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا ، فخرجوا يوم بدر مع المشركين فرأوا قلة المسلمين ، فقالوا : غرّ هؤلاء دينهم ، فقتلوا ، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم ، كما يأتي ، فلا تجوز الإقامة تحت حكم الكفر مع الاستطاعة ، بل تجب الهجرة ، ولا عذر في المقام ، وإن منعه مانع فلا يكون راضيا بحاله مطمئن النفس بذلك ، وإلا عمّه البلاء ، كما وقع لأهل الأندلس ، حتى صار أولادهم كفارا والعياذ بالله ، وكذلك لا تجوز الإقامة في موضع تغلب فيه المعاصي وترك الدين .