ابن عجيبة

538

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال الورتجبي : الفضل والرحمة منه للعموم ، ومحبته للخصوص ، الذين هم مستثنون بقوله : « إلا قليلا » . ه . قال القشيري : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ مع أوليائه لهاموا في كل واد من التفرقة كأشكالهم في الوقت . ه . فخصّ الإشارة بالأولياء ، وعليه فقوله : إِلَّا قَلِيلًا أي : إلا تفرقة قليلة تعرض لهم ، تربية لهم ، وإبقاء لرسمهم ومناط تكليفهم . والله تعالى أعلم . قاله في الحاشية . ولا يظهر هذا كله إلا بالجهاد الأكبر والأصغر ، كما قال تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 84 إلى 86 ] فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ( 84 ) مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ( 85 ) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ( 86 ) قلت : ( نفسك ) : مفعول ثان ، والأول نائب ، أي : لا يكلفك الله إلا نفسك . يقول الحق جل جلاله : فَقاتِلْ يا محمد فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولو وحدك إن تثبطوا عن الجهاد ، لا نكلفك إلا أمر نفسك ، وَ لكن حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ على الجهاد ، إذ ما عليك إلا التحريض . فجاهدوا حتى تكون كلمة الله هي العليا . عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بجهادكم بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ويبطل دينهم الفاسد . وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً منهم وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أي : تعذيبا لهم . وقد حقّق الله ذلك ففتح الله على نبيه قبائل العرب ، فلم يبق فيهم مشرك ، ثم فتح على الصحابة سائر البلاد ، وهدى الله بهم جميع العباد ، إلا من فرّ من الكفار إلى شواهق الجبال . وإنما أمرتك بالتحريض على الجهاد ؛ لأن الدال على الخير كفاعله ، وذلك كالشفاعة بين الناس ودلالتهم على إصلاح ذات البين ، فمن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً بأن ينفع المشفوع له ، بدفع ضرر أو جلب نفع ، ابتغاء وجه الله ، يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها ، أي : حظ كبير من الثواب ؛ لأنه دل المشفوع عنده على الخير ، وأوصل النفع إلى المشفوع له ، فله من الأجر مثل ما لهما ، ومنها : الدعاء بظهر الغيب ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : « من دعا لمسلم بظهر الغيب استجيب له ، وقال له الملك : لك مثل ذلك » . وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً ، يريد بها فسادا بين الناس ؛ كنميمة وزور وإحداث بدعة ، يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ أي : نصيب مِنْها أي : من وزرها ، وفي الحديث : « من سنّ سنة حسنة ، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم