ابن عجيبة
534
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : كما شهد الحق - جل جلاله - لرسله بالرسالة ، بما أظهر لهم من المعجزات ، شهد لأوليائه بالولاية بما منحهم من الكرامات . والمراد بالكرامة : هي تحقيق العرفان ، ومعرفة الذوق والوجدان ، واستقامة الظواهر والبواطن ، وتهذيب الأخلاق وهداية الناس على يديه إلى العليم الخلاق ، فهذه الكرامة المعتبرة عند المحققين ، فمن أطاعهم فقد أطاع الله ، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عن معرفة الله ، ومن أحبهم فقد أحب الله ، ومن أبغضهم فقد أبغض الله ؛ لأنهم نور من أنوار الله ، وعين من عيون الله ، إذ لم يبق فيهم بقية مما سوى الله ، أقدامهم على قدم رسول الله ، « إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله » . فافهم ، والله تعالى أعلم . ثم ذكر أحوال أهل النفاق ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 81 ] وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 81 ) قلت : ( طاعة ) : خبر ، أي : أمرنا طاعة ، وأصله النصب على المصدر ، ورفع للدلالة على الثبوت ، وبيّت الشيء : دبّره ليلا وأضمره في نفسه . يقول الحق جل جلاله في شأن المنافقين : وَيَقُولُونَ لك إذا حضروا معك : أمرنا وشأننا طاعَةٌ لك فيما تأمرنا به ، فَإِذا بَرَزُوا أي : خرجوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي : دبّرت ليلا وأخفت من النفاق غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لك من قبول الإيمان وإظهار الطاعة ، أو زوّرت خلاف ما قلت لها من الأمر بالطاعة ، وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ أي : يثبته في صحائفهم فيجازيهم عليه ، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ولا تبال بهم ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يكفك شرهم ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا عليهم ، فسينتقم لك منهم . الإشارة : هذه الخصلة موجودة في بعض العوام ؛ إذا حضروا مع أهل الخصوصية أظهروا الطاعة والإقرار ، وإذا خرجوا عنهم بيّتوا الانتقاد والإنكار ، فلا يليق إلا الإعراض عنهم ، والغيبة في الله عنهم ، فإن الله يكفى شرهم بكفالته وحفظه . والله تعالى أعلم . ثم دلّهم على ما فيه دواء مرض قلوبهم ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 82 ] أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 )