ابن عجيبة

532

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم حكى مقالتهم الدالة على نفاقهم ، فقال : وَإِنْ تُصِبْهُمْ . . . يقول الحق جل جلاله في وصف أهل النفاق : وإنهم إن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ كخصب ورخاء ونعمة ظاهرة ، قالوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، ونسبوها إلى الله بلا واسطة ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ كقحط وجوع وموت وقتل ، قالوا للرسول - عليه الصلاة والسلام - : هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ بشؤم قدومك أنت وأصحابك ، كما قالت اليهود - لعنهم الله - : منذ دخل محمد المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها . قلت : بل زكت ثمارها ، ورخصت أسعارها ، وأشرقت أنوارها ، ولاحت أسرارها ، وقد دعا صلّى اللّه عليه وسلم للمدنية بمثل ما دعا إبراهيم لمكة ، وأضعاف ذلك ، فما زالت الخيرات تترادف إليها حسّا ومعنى إلى يوم القيامة ، وهذه المقالة قد صدرت ممن كان قبلهم ؛ فقد قالوا لسيدنا صالح عليه السّلام : قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ، وقال تعالى : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ، ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ . قال تعالى مكذبا لهم : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؛ الحسنة بفضله ، والسيئة بعدله . ثم عيرهم بالجهل فقال : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ؛ فهم كالبهائم أو أضل سبيلا ، أو لا يفقهون القرآن ويتدبرون حديثه ، ولو تدبروا لعلموا أن الكل من عند الله ، وأنه خالق كل شئ ، المقدّر لكل شئ . ثم علّمنا الأدب بنسبة الكمالات إليه سبحانه بلا واسطة ، ونسبة النقائص إلى شؤم ذنوبنا ، فقال : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ أي : نعمة فَمِنَ اللَّهِ فضلا وإحسانا ، وأما طاعة العبد فلا تفي بشكر نعمة واحدة ، ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » ، قيل : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : « ولا أنا ، إلّا أن يتغمدني اللّه برحمته » . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 79 إلى 80 ] ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 79 ) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ( 80 ) وَما أَصابَكَ أيها الإنسان مِنْ سَيِّئَةٍ أي : بلية فَمِنْ نَفْسِكَ أي : شؤم ذنبك ، وعنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : « ما من خدش بعود ولا اختلاج عرق ولا غيره إلا بذنب ، وما يعفو اللّه عنه أكثر » . فلا ينافي قوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؛ فإن الكل منه إيجادا واختراعا ، غير أن الحسنة إحسان ، والسيئة مجازاة وانتقام . كما قالت عائشة - رضي الله عنها - : « ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب ، حتى الشوكة يشاكها ، وحتى انقطاع شسع نعله ، إلا بذنب ، وما يعفو اللّه عنه أكثر » .