ابن عجيبة

527

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

حين تخلفت إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً فيصيبنى ما أصابهم . وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ، كنصر وغنيمة ، لَيَقُولَنَّ لفرط عداوته : يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ، بالمال والعز . كأن ذلك المنافق ، لم يكن بينكم وبينه مودة ولا مواصلة أصلا ، حيث يتربص الدوائر ، يفرح بمصيبتكم ويتحسر بعزكم ونصركم . فإن تثاقل هذا عن القتال أو بطّأ غيره ، فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أهل الإخلاص والإيمان الَّذِينَ يَشْرُونَ ، أي : يبيعون الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ، فيؤثرون الآخرة الباقية على الدنيا الفانية ، وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء كلمة الله فَيُقْتَلْ شهيدا أَوْ يَغْلِبْ عدوه وينصره الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ، وإنما قال تعالى : فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ تنبيها على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة ، حتى يعز نفسه بالشهادة ، أو الدين بالظفر والنصر . وألا يكون قصده بالذات القتل ، بل إعلاء الحق وإعزاز الدين . قاله البيضاوي . الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص ؛ خذوا حذركم من خدع النفوس ، لئلا تعوقكم عن حضرة القدوس ، فانفروا إلى جهادها ثبات أو جماعة ؛ « فإن يد الله مع الجماعة » ، فالصحبة عند الصوفية شرط مؤكد وأمر محتم . والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح ، فالنفس الحية لا تموت مع الأحياء ، وإنما تموت مع الأموات ، فهي كالحوت ما دامت في البحر مع الحيتان لا تموت أبدا ، فإذا أخرجتها وعزلتها عن أبناء جنسها ماتت سريعا . كما قال شيخنا رضي اللّه عنه . وإن من نفوسكم لمن ليبطئنكم عن السير إلى حضرة قدسكم ، تفر من مواطن الشدة والمحن ، وفي ذلك حياتها لو تعقل وتفطن ، فإن أصابتكم - أهل النسبة - نكبة ، أو تعرف من التعرفات ، ولم يصادفها في ذلك الوقت شئ من تلك النكبات ، قال : قد أنعم الله علىّ إذ لم أكن معهم شهيدا ، ولئن أصابكم بعد ذلك فضل من الله كنفحات ربانية وخمرات أزلية ، قالت : يا ليتني كنت معهم فأفوز كما فازوا ، فليجاهد نفسه في سبيل الله من أراد الظفر بحضرة الله ، يقدمها إلى المكاره ، وهو كلّ ما يثقل عليها ، ويجنبها الشهوات ، وهو كل ما يخف عليها ، هكذا يسير معها ويقاتلها ، حتى يموت أو يغلبها ويظفر بها . قال بعض المشايخ : انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم . فإن ظفروا بها وصلوا . ه . وحينئذ تذهب عنه المتاعب والأنكاد ، وتصير الأزمنة كلها عنده مواسم وأعياد ، ويقال له حينئذ : لك الدهر طوع والأنام عبيد * فعش كلّ يوم من أيّامك عيد