ابن عجيبة

525

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وأهل الفناء لم يبق لهم بعد ، بل غابوا في القرب حتى امتحى اسمهم ورسمهم . فأىّ بينونة وأىّ بعد يبقى للعارف ؟ لولا فقدان الذوق ، ولكن لكلّ فن أربابه ، وسيأتي في الإشارة تحقيق ذلك إن شاء الله . ثم قال جل جلاله : وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً أي : ما أحسنهم رفقا في الفراديس العلى ، فهم يتمتعون فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم ، وإن كانوا أعلى منهم ، فلا يلزم من كونه معهم أن تستوى درجته معهم ، قال في الحاشية : وتعقل مرافقة من دون النبي في المدانات من حاله وكشفه ، بحيث لا يحجب عنه ، وإن كان لا مطمع له في منزلته ، واعتبر برؤية البصائر له وعدم غيبته عنهم وأنسهم به والاستفادة منه ، وروى عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : « يزور الأعلون من أهل الجنة الأسفلين ، ولا يزور الأسفلون الأعلين ، إلا من كان يزور في الله في الدنيا ، فذلك يزور في الجنة حيث شاء » . روى أن ثوبان مولى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أتاه يوما وقد تغيّر وجهه ونحل جسمه ، فسأله عليه الصلاة والسلام عن حاله ، فقال : ما بي وجع ، غير أنّى إذا لم أرك اشتقت إليك ، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثمّ ذكرت الآخرة فخفت ألا أراك هناك ؛ لأنى عرفت أنك ترفع مع النّبيّين . وإن دخلت الجنّة ، كنت في منزل أدون من منزلك ، وإن لم أدخل الجنّة فذلك حرىّ ألا أراك أبدا . فنزلت الآية وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ . . . إلخ . ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ إشارة إلى ما للمطيعين من الأجور ، ومزيد القرب والحضور ، وأنه فضل تفضل على عباده ، وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً بمقادير الأعمال والمقامات ، فيجازى كلّا على حسب مقامه . والله تعالى أعلم . الإشارة : اعلم أن الطاعة التي توجب المعية الحسية في النعيم الحسى الجسماني هي الطاعة الظاهرة الحسية . والطاعة التي توجب المعية المعنوية في النعيم الروحاني هي الطاعة الباطنية القلبية . فالمعية الحسية صاحبها مفروق ، والمعية المعنوية صاحبها مجموع ، لا يغيب عن حبيبه لحظة . هؤلاء هم الصديقون المقربون . وفوقهم الأنبياء ، وتحتهم الشهداء والصالحون . وبيان ذلك أن العلم بالله تعالى : إما أن يكون عن كشف الحجاب وانقشاع السحاب ، أعنى سحاب الأثر ، وهم أهل الشهود والعيان . وإما أن يكون من وراء الحجاب ، يأخذون أجرهم من وراء الباب ، يستدلون بالآثار على المؤثر . وهم أهل الدليل والبرهان . والأولون إما أن يرتقوا إلى مكافحة الوحي ورؤية الملائكة الكرام . وهم الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - ، وإما أن يقصروا عن درجة الوحي ويكون لهم وحي إلهام ، وهم الصديقون ؛ أهل الحال والمقام ، فقد اشتركوا في مقام العيان . لكن مقام الحضرة فضاؤه واسع ، والترقي في معارج أسرار التوحيد غير