ابن عجيبة

524

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم وعد المطيعين وعدا جميلا ، وخيرا جزيلا ، ترغيبا في امتثال ما أمر به من طاعة الرسول ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 69 إلى 70 ] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( 69 ) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً ( 70 ) قلت : « رفيقا » : تمييز لما في ( حسن ) من معنى التعجب أو المدح ، ولم يجمع ؛ لأن فعيلا يحمل على الواحد والجمع ، أو لأنه أريد حسن كل واحد منهم . يقول الحق جل جلاله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ويرضى بأحكامهما ويمتثل أمرهما ويجتنب نهيهما ، فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وهم أكرم الخلق عند الله وأعظمهم قدرا مِنَ النَّبِيِّينَ والمرسلين وَالصِّدِّيقِينَ وهم من كثر صدقهم وتصديقهم وعظم يقينهم ؛ وهم الأولياء العارفون بالله ، وَالشُّهَداءِ الذين ماتوا جهادا في سبيل الله ، وَالصَّالِحِينَ وهم العلماء الأتقياء ، ومن صلح حاله من عامة المسلمين . قال البيضاوي : قسمهم أربعة أقسام ، بحسب منازلهم في العلم والعمل ، وحث كافة الناس على ألّا يتأخروا عنهم . وهم : الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل ، المتجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل . ثم الصديقون الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقى النظر في الحجج والآيات ، وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان ، حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليها . ثم الشهداء الذين أدى بهم الحرص على الطاعة والجد في إظهار الحق ، حتى بذلوا مهجهم في إعلاء كلمة الله ، ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته ، وأحوالهم في مرضاته . ولك أن تقول : المنعم عليهم هم العارفون بالله ، وهؤلاء إما أن يكونوا بالغين درجة العيان ، أو واقفين في مقام الاستدلال والبرهان ، والأولون إما أن ينالوا مع العيان القرب ، بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريبا ، وهم الأنبياء ، أو لا ، فيكونون كمن يرى الشيء بعيدا ، وهم الصديقون ، والآخرون إما أن يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة ، وهم العلماء الراسخون الذين هم شهداء الله في أرضه . وإما أن يكون بأمارات وإقناعات تطمئن إليها نفوسهم ، وهم الصالحون . انتهى كلامه . وفيه نظر من وجهين : أحدهما : أنه أطلق على أهل الاستدلال أنهم عارفون ، ولا يقال عند الصوفية فيه عارف ، حتى يترقى عن مقام الاستدلال ، وإلا فهو عالم فقط ، والثاني : أنه جعل الصديقين بمنزلة من يرى الشيء بعيدا ،