ابن عجيبة

523

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وهم المخلصون . قال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : ( لو كتب ذلك علينا لكنت أنا أول خارج ) . قال ثابت بن قيس بن شماس : ( لو أمرني رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أن أقتل نفسي لفعلت ) . وكذلك قال عمر وعمار بن ياسر وابن مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : لو أمرنا لفعلنا . فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « إنّ من أمّتى رجالا : الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرّواسى » . فهؤلاء من القليل . وسبب نزول قوله : فَلا وَرَبِّكَ . . إلخ : قضية الزّبير مع حاطب في شراج الحرّة « 1 » ، كانا يسقيان به النّخل ، فتخاصما إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فقال عليه السّلام : « اسق يا زبير وأرسل إلى جارك » ، فقال حاطب : لأن كان ابن عمتك . فقال - عليه الصلاة والسلام - : « اسق يا زبير ، واحبس الماء حتّى يبلغ الجدر « 2 » واستوف حقك » . وقيل : نزلت في اليهودي مع المنافق المتقدم ، وهو أليق بالسياق . وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ من طاعة الرسول ، والرضى بحكمه ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ في آجلهم وعاجلهم ، وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً في دينهم وقوة في إيمانهم ، أو تثبيتا لثواب أعمالهم ، وَإِذاً لو فعلوا ذلك لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً يصلون بسلوكه إلى حضرة القدس ، ودوام الأنس ، ويفتح لهم أسرار العلوم ، ومخازن الفهوم ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم » . والله تعالى أعلم . الإشارة : كما أمر الله بطاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم في حياته ، أمر بطاعة ورثته بعد مماته ، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام ، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام ، فالعلماء حكّام على العموم ، والأولياء حكام على الخصوص ، أعنى من تعلق بهم من أهل الإرادة ، فمن لم يرض بحكم العلماء ، ووجد في نفسه حرجا مما قضوا به عليه ، ففيه شعبة من النفاق ، وخصلة من المنافقين . ومن لم يرض بحكم الأولياء فقد خرج من دائرتهم ، ومن عش تربيتهم ، لأن حكم الرسول - عليه الصلاة والسلام - وحكم ورثته هو حكم الله ، ومن لم يرض بحكم الله خرج عن دائرة الإيمان . فلا يكمل إيمان العبد حتى لا يجد في نفسه حرجا من أحكام الله ، القهرية والتكليفية ، ويسلم لما يبرز من عنصر القدرة الأزلية ، كيفما كان ، فقرا أو غنى ، ذلّا أو عزا ، منعا أو عطاء ، قبضا أو بسطا ، مرضا أو صحة ، إلى غير ذلك من اختلاف المقادير . ويرضى بذلك ظاهرا وباطنا ، وينسلخ من تدبيره واختياره ؛ إلى اختيار مولاه فهو أعلم بمصالحه ، وأرحم به من أمه وأبيه : وبالله التوفيق . وهو الهادي إلى سواء الطريق .

--> ( 1 ) الشراج : جمع شرجة ، وهي مسيل الماء من الحرّة إلى السهل ، والحرة : هي الأرض ذات الحجارة السوداء . ( 2 ) الجدر : أي : الجدار الذي يحيط بالمزرعة ، وهو أصغر من الجدار .