ابن عجيبة

522

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم أعاد الأمر بطاعة الرسول وتحكيمه في جميع الأمور ترهيبا وترغيبا ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 64 إلى 68 ] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 64 ) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 ) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ( 66 ) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ( 67 ) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 68 ) قلت : ( توابا رحيما ) مفعولا ( وجد ) إن كانت علمية ، أو ( توابا ) حال ، و ( رحيما ) بدل منه ، أو حال من ضميره إن فسرت بصادف . يقول الحق جل جلاله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ من لدن آدم إلى زمانك ، إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وأمره بطاعته ، فمن لم يطعه ولم يرض بأحكامه فهو كافر به . وَلَوْ أَنَّهُمْ أي : المنافقون حين ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالترافع إلى غيرك ، والتحاكم إلى الطاغوت جاؤُكَ تائبين فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ بالتوبة ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ حين اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعا ، لَوَجَدُوا اللَّهَ أي : تحققوا كونه تَوَّاباً رَحِيماً ، قابلا لتوبتهم متفضلا عليهم بالرحمة والغفران . وإنما عدل عن الخطاب في قوله : وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ولم يقل : واستغفرت لهم ، تفخيما لشأنه ، وتنبيها على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائبين ، وإن عظم جرمهم ، ويشفع لهم ، ومن جلالة منصبه أن يشفع في عظائم الذنوب وكبائرها . ثم أقسم بربوبيته على نفى إيمان من لم يرض بحكم رسوله ، فقال : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ إيمانا حقيقيا حَتَّى يُحَكِّمُوكَ أي : يترافعوا إليك ، راضين بحكمك ، فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي : اختلط بينهم واختلفوا فيه ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً أي : ضيقا وشكا مِمَّا قَضَيْتَ ، بل تنشرح صدورهم لحكمك ؛ لأنه حق من عند الله . وَيُسَلِّمُوا لأمرك تَسْلِيماً . أي : ينقادوا لأمرك ظاهرا وباطنا . وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، توبة من ذنوبكم ، كما كتبناه على بني إسرائيل ، أو في الجهاد في سبيل الله ، أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ كما خرج بنو إسرائيل حين أمرناهم بالهجرة من مصر ، ما فَعَلُوهُ