ابن عجيبة
520
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : أولو الأمر عند الصوفية ، هم شيوخ التربية العارفون بالله ، فيجب على المريدين طاعتهم في المنشط والمكره ، وفي كل ما أمروا به ، فمن خالف أو قال : « لم » لم يفلح أبدا ، ويكفى الإشارة عن التصريح عند الحذاق أهل الاعتناء ، فإن تعارض أمر الأمراء وأمر الشيوخ ، قدّم أمر الشيخ إلا لفتنة فادحة ، فإن الشيخ يأمر بطاعتهم أيضا لما يؤدى من الهرج بالفقراء ، فإن تنازعتم يا معشر الفقراء ، في شئ من علم الشريعة أو الطريقة ، فردوه إلى الكتاب والسّنة . قال الجنيد رضي اللّه عنه : طريقتنا هذه مؤيدة بالكتاب والسنة ، فمن لم يقرأ القرآن ويتعلم الحديث لا يقتدى به في هذا الشأن . ه . ويكفى المهم من ذلك ، وهو ما يتوقف عليه أمر عبادته . والله تعالى أعلم . ثم ذكر الحق تعالى من أعرض عن حكم الله ورسوله ، ورضى بحكم غيرهما ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 60 إلى 63 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ( 60 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ( 61 ) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً ( 62 ) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ( 63 ) قلت : ( رأيت المنافقين ) ، وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالنفاق وذمّا لهم به . وكان القياس : رأيتهم ، و ( صدودا ) : مصدر ، أو اسم مصدر الذي هو الصد ، والفرق بينه وبين المصدر : أن المصدر اسم للمعنى الذي هو الحدث ، واسم المصدر اسم للفظ المحسوس ، و ( يحلفون ) حال . و ( في أنفسهم ) يتعلق بقل ، وقيل ببليغا . وهو ضعيف ؛ لأن الصفات لا يتقدم عليها معمولها ، اللهم إلا أن يتوسع في الظروف . يقول الحق جل جلاله : أَ لَمْ تَرَ يا محمد إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وهم المنافقون ، يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ، كعب بن الأشرف لفرط طغيانه . وفي معناه كل من يحكم بالباطل ، وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ، ويؤمنوا بالله ويرضوا بحكمه . وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً ، بأن يصرفهم عن حكم الله ورسوله .