ابن عجيبة
518
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الكعبة ، وقال : لو علمت أنه رسول الله « 1 » ما منعته ، فلوى علىّ يده ، وأخذها منه ، فدخل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وصلّى ركعتين ، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ، ويجمع له السّدانة والسّقاية ، فأمره الله - تعالى - أن يرده إليه ، فأمر عليّا بأن يردّه ويعتذر إليه ، وكان ذلك سببا لإسلام عثمان ، ونزل الأمر بأن السّدانة في أولاده أبدا . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ، يا معشر الأمراء ، أن تردوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها من أنفسكم ، أو من رعيتكم فتنصفوا المظلوم من الظالم ، حتى يؤدى ما ائتمن عليه من دين ، أو وديعة ، أو غصب ، أو سرقة ، أو غير ذلك من حقوق العباد ، بعضهم من بعض ، وأن تؤدوا الزكاة إلى من يستحقها ، وتصرفوا بيت المال فيمن يستحقه ، لا تظلموا أهلها ، ولا تضيعوا منها شيئا في غير مستحقها . وَ يأمركم إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ في من ينفذ عليه حكمكم ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي : إن الله يعظكم بأمر نعم ما هو ، إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً لا يخفى عليه أحكامكم ، ولا ما أخفيتم من أمانات غيركم . الإشارة : أمر الحق - جل جلاله - شيوخ التربية أن يؤدوا السر إلى من يستحقه من الفقراء ، إذا تحققوا أهليتهم له ، بحيث تخلوا عن الرذائل ، كالحسد والكبر وغيرهما ، وتحلوا بالفضائل ، كسلامة الصدر وسخاوة النفوس وحسن الخلق ، وغير ذلك من أوصاف الكمال ، فإن تحققوا بالتخلية والتحلية ، استحقوا الاطلاع على أسرار الربوبية ، التي هي أمانات عند أهل الخصوصية ، وأمرهم أن يحكموا بين الفقراء بالعدل ، فيمدوا كلا على قدر صدقه وخدمته ، والله تعالى أعلم . ثم أمر الحق تعالى بطاعة الأمراء الذين أمرهم بالعدل وأداء الأمانة ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 59 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 59 ) أعاد العامل في قوله : ( وأطيعوا الرسول ) ، إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة ، ولم يعده في أُولِي الْأَمْرِ إشارة إلى أنه يوجد منهم من لا تجب طاعته ، ثم بيّنه بقوله : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ كأنه قيل : فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم ، وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله . قاله الطيبي ، وسيأتي تحرير ذلك إن شاء الله تعالى .
--> ( 1 ) أي : أنه مرسل من عند اللّه .