ابن عجيبة
517
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم إن الحسود لا تزول عداواته ، ولا تنفع مداواته ، وهو ظالم يشتكى كأنه مظلوم . ولقد صدق القائل : كل العداوة قد ترجى إزالتها * إلا عداوة من عاداك من حسد وقال حكيم الشعراء : وأظلم خلق الله من بات حاسدا * لمن بات في نعمائه يتقلّب وقال آخر : إني لأرحم حاسدىّ لفرط ما * ضمّت صدورهم من الأوغار نظروا صنيع الله في فعيونهم * في جنّة وقلوبهم في نار قال بعض الحكماء : ( الحاسد يضرّ نفسه ثلاث مضرات : إحداها : اكتساب الذنوب ؛ لأن الحسد حرام . الثانية : سوء الأدب مع الله - تعالى - فإنّ حقيقة الحسد : كراهية إنعام الله على غيره ، واعتراض على الله في فعله . الثالثة : تألم قلبه وكثرة همه وغمه ) . عافانا الله من ذلك كله ، فالحاسد لا ينفك عن نار الحجاب وغم الحساب ، والمتطهر منه يدخل جنة الرضى والتسليم في جوار الحبيب ، وهو محل الراحة والأمن في الدارين ، وهو الظل الظليل . والله تعالى أعلم . ولمّا كان حفظ نظام الدين لا يقوم إلا بالجهاد ، ولا ينتظم الجهاد إلا بنصب الإمام ، تكلم الحق - جل جلاله - على ما يتعلق بالأمراء ، ثم بعد ذلك يتكلم على الجهاد ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 58 ] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( 58 ) قلت : « ما » في ( نعمّا ) تمييز أو فاعل ، والمخصوص محذوف ، أي نعم شيئا شئ يعظكم به ، أو نعم الذي يعظكم به ذلك الأمر ، وهو رد الأمانات والعدل في الحكومات . قال زيد بن أسلم وشهر بن حوشب : نزلت الآية في شأن الأمراء . ه قلت : وإن نزلت في شأن عثمان بن طلحة - سادن الكعبة فهي عامة . والمخاطب بذلك أولا الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وهو سيد الأمراء ، أمره الحق - تعالى - أن يرد المفاتح إلى عثمان ، وذلك أن عثمان أغلق باب الكعبة يوم فتح مكة ، وأبى أن يدفعها إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ليدخل