ابن عجيبة

516

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم بيّن مآل من كفر ، فقال : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا المنزلة على رسلنا ، أو الدالة على وحدانيتنا ، سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً أي : نحرقهم بها ونشويهم ، كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ أي : لانت واحترقت بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « تبدّل في ساعة مائة مرّة » . وقال الحسن : ( تأكلهم النار في كل يوم سبعين ألف مرة ، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم : عودوا فيعودوان كما كانوا ) . وقال مجاهد : ( ما بين جلده ولحمه دود ، لها جلبة - أي حركة - وهرير كجلبة حمر الوحش ) . روى أبو هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا ، وضرسه مثل أحد » . وإنما بدلت جلودهم لِيَذُوقُوا ألم الْعَذابَ ، أي : يدوم لهم ذلك بخلق جلد آخر مكانه ، والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية لا لآلة إدراكها ، فلا محذور ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً لا يمتنع عليه ما يريد ، حَكِيماً يعاقب على قدر حكمته . ثم ذكر مقابل هؤلاء فقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ مما يستفذر وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا أي : دائما لا تنسخه شمس ، ولا يصحبه برد . قدّم وعيد الكفار على وعد المؤمنين ، لأن الكلام فيهم ، وذكر المؤمنين بالعرض . والله تعالى أعلم . الإشارة : الحسد خلق مذموم ، لا يتطهر منه إلا الصديقون ، وكل من بقي فيه بقية من الحسد لا يشم رائحة المعرفة ، إذ لو عرف الله لم يجد من يحسد ، وقد قيل : الحسود لا يسود . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب » . وقال سفيان : ( بلغني أن الله تبارك وتعالى يقول : الحاسد عدو نعمتي ، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي ) . وأنشدوا : ألا قل لمن كان لي حاسدا * أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله * إذا أنت لم ترض لي ما وهب جزاؤك منه الزيادة لي * وألّا تنال الذي تطلب وقال آخر : إن تحسدونى فإني غير لائمكم * قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما كان بي وبهم * ومات أكثرنا غيظا بما يجد