ابن عجيبة

511

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وهذه الآية كانت سبب إسلام كعب الأحبار ، سمعها من بعض الصحابة فأسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . والمسخ جائز على هذه الأمة ، كما وقع في الأمم السابقة ، بدليل ما في كتاب الأشربة من البخاري أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ليكوننّ من أمّتى أقوام يستحلّون الحر والحرير ، والخمر والمعازف ، ولينزلنّ أقوام إلى جنب علم ، يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة ، فيقولون : ارجع إلينا غدا ، فيبيّتهم الله ، ويضع عليهم العلم ، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة » . الإشارة : حملة الشريعة يخاطبون بالإيمان بأهل الحقيقة ، لأنها لبها وصفاؤها ، فإن امتنعوا من الإيمان بها ومن الإذعان لأهلها ، طمس الله وجوه قلوبهم ، وملأها خوفا وجزعا وحبّا للدنيا ، وردها على أدبارها ، فلا تفهم أسرار الكتاب ولا تفقه إشارة الخطاب ، فإن قصّروا عن حقوق الشريعة ، وغيّروا أحكامها مسخوا قردة وخنازير . وفي نوادر الأصول بسنده إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « تكون في أمّتى قزعة « 1 » ، فيصير النّاس إلى علمائهم ، فإذا هم قردة وخنازير » . قال الترمذي الحكيم : فالمسخ : تغيير الخلقة عن جهتها ، فإنما حل بهم المسخ لأنهم غيّروا الحق عن جهته ، وحرفوا الكلم عن مواضعه ، فمسخوا عن أعين الخلق ، وقلوبهم عن رؤية الحق . فمسخ الله صورهم وبدّل خلقتهم ، كما بدلوا الحق باطلا . ه . وبالله التوفيق . ولما دعاهم إلى الإيمان ، أخبرهم أنهم إن داموا على الكفر لا مطمع لهم في الغفران ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 48 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ( 48 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ لأنه بتّ الحكم على خلود عذابه ، لأن الله تعالى غيور لا أحد أغير منه . كما في الحديث ، ومن عادة الملوك إذا خرج أحد من رعيته ونصر غيره لا يقبل منه إلا الرجوع أو الموت . ولا شفاعة تنفع فيه غير الرجوع عنه ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ الشرك لِمَنْ يَشاءُ من الكبائر والصغائر . تاب أم لا . فالعصاة إذا لم يتوبوا في مشيئة الله ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ؛ ارتكب ما تستحقر دونه الآثام . وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب ، والله تعالى أعلم .

--> ( 1 ) في الأصول « فزعة » بالفاء ، والمثبت هو الذي الجامع الكبير للسيوطي وكنز العمال . والقزعة : قطعة من الغيم وجمعها : قزع . انظر النهاية في غريب الحديث ( قزع ) .