ابن عجيبة

505

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ أحدا بحيث ينقص من ثواب عمله ، أو يزيد في عقاب ما يستحقه ، ولو مثقال ذرة . بل يجازى كلا على قدر عمله . فإن كان صالحا ، ولو صغر قدره ، عظم أجره . وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة ، بحسب الإخلاص . قال أبو هريرة رضي اللّه عنه : سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إنّ اللّه يعطى المؤمن على الحسنة ألفي ألف حسنة » ، ثم تلا إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ الآية . وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ، وخيرا جسيما ، فضلا منه وإحسانا . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه لا يظلم المؤمن حسنة ، بل يثاب عليها الرزق في الدّنيا ويجزيه بها في الآخرة . والكافر يعطيه بها في الدّنيا ، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة » . الإشارة : كما أن الحق تعالى لا يظلم طالبى الأجور ، بل يضاعف لهم في زيادة الحور والقصور ، كذلك لا يبخس طالبى القرب والحضور ، ورفع الحجب والستور . بل كلما فعلوا من أنواع المجاهدات ضاعف لهم أنوار المشاهدات . وكلما نقص لهم من الحس - ولو مثقال ذرة - زادهم في المعنى قدره وأكثر شهودا ونظرة . وكلما يقهر النفس ولو مقدار الفتيل ، شربوا مقداره وأكثر من خمرة الجليل ، وهذا كله مع صحبة المشايخ أهل التربية ، وإلّا فلا تزيده مجاهدته إلا حجبا وبعدا عن الخصوصية . والله تعالى أعلم . ثم ذكر الحق تعالى الموطن الذي تظهر فيه مقادير الأعمال ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 41 إلى 42 ] فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ( 41 ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ( 42 ) قلت : ( كيف ) إذا كان الكلام بعدها تامّا أعربت حالا ، كقولك : كيف جاء زيد ؟ وإذا كان ناقصا ، كانت خبرا ، كقولك : كيف زيد ؟ وهي هنا خبر ، أي : كيف الأمر إذا . . . إلخ . وهي مبنية لتضمنها معنى الاستفهام ، والعامل في ( إذا ) مضمون المبتدأ ، أو الخبر ، أي : كيف يستقر الأمر أو يكون إذا جئنا ؟ ومن قرأ ( تسوّى ) بالشد ، فأصله تتسوى ، أدغمت الأولى في الثانية ، ومن قرأ ( لو تسوّى ) بالبناء للمفعول فحذف الثانية . يقول الحق جل جلاله : فَكَيْفَ يكون حال هؤلاء الكفرة واليهود إِذا قامت القيامة و جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ يشهد عليها بخيرها وشرها ، وهو نبيهم الذي أرسل إليهم ، وَجِئْنا بِكَ أنت يا محمد عَلى هؤُلاءِ الأمة التي بعثت إليهم شَهِيداً عليهم ، أو على صدق هؤلاء الشهداء شهيدا ، تشهد على صدق رسالتهم وتبليغهم ؟ لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك مجامع قواعدهم ، وقيل : عَلى هؤُلاءِ الكفرة المستفهم عن حالهم ،