ابن عجيبة

50

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وثمّ أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح اللّه قلبه ، وقد جاء أنه - عليه الصلاة والسلام - قال : « لكل آية ظاهر وباطن وحدّ ومطّلع » . فلا يصدّنك عن تلقى المعاني الغريبة منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة : هذا إحالة لكلام اللّه - عز وجل - وكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلّم فليس بإحالة ، وإنما يكون إحالة لكلام اللّه لو قالوا : لا معنى للآية إلا هذا ، وهم لا يقولون ذلك . بل يقرّون الظواهر على ظواهرها ومراداتها وموضوعاتها ، ويفهمون عن اللّه ما أفهمهم . ه . وقال سعد الدين في شرح عقائد النسفي - بعد إبطال الإلحاد - : ( وأمّا ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها ، ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى حقائق تنكشف لأرباب السلوك ، يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة ، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان ) وقوله : يمكن التطبيق . . . إلخ ، أي : يمكن أن يشار إليها في باطن الخطاب بحيث لا ينبو عنها سرّ الخطاب ، ولا يبعد اللفظ عنها كل البعد حتى يكون تحريفا . وقال الشيخ زرّوق رضي الله عنه : نظر الصوفي أخص من نظر المفسر وصاحب فقه الحديث ، لأن كلا منهما يعتبر الحكم والمعنى ليس إلا وهو يزيد بطلب الإشارة بعد إثبات ما أثبتاه . وإلّا فهو باطني خارج عن الشريعة فضلا عن المتصوفة . واللّه أعلم . ه . وقوله عليه الصلاة والسلام : « لكل آية ظاهر وباطن وحدّ ومطّلع » فالظاهر لمن اعتنى بظاهر اللفظ ، كالنحاة وأهل اللغة والتصريف ، والباطن لمن اعتنى بمعنى اللفظ ، وما دلّ عليه الكلام من الأمر والنهى والقصص والأخبار والتوحيد ، وغير ذلك من علوم القرآن ، وهو نظر المفسرين . والحدّ لمن اعتنى باستنباط الأحكام منه ، وهم الفقهاء ، فهم ينتهون إلى ما يدل عليه اللفظ وسيق لأجله ، دون زيادة عليه . والمطّلع لأهل الحقائق من أكابر الصوفية ، لأنهم يطلعون من ظاهر الآية إلى باطنها ، فيكشف لهم عن أسرار وعلوم وغوامض ، تتجلى لهم عند استعمال الفكرة فيها . قال في الصّحاح : في الحديث : « من هول المطّلع » ، شبّه ما أشرف عليه من أمر الآخرة بالمطّلع وهو المأتى . يقال : أين مطلع هذا الأمر ؟ أي : مأتاه ، وهو موضع الاطلاع من إشراف إلى انحدار . ه ؛ لأن أهل الحقائق يشرفون من ظاهر الآية إلى أسرار باطنها ، ويغوصون في لجج بحرها . واللّه تعالى أعلم . هذا . . . وقد ندبنى شيخى العارف الرباني سيدي محمد البوزيدى الحسنى ، وكذلك شيخه القطب الجامع شيخ المشايخ مولاي العربي الدرقاوى الحسنى ، أن أضع تفسيرا يكون جامعا بين تفسير أهل الظاهر وإشارة أهل الباطن ، فأجبت سؤالهم وأسعفت طلبتهم ، رجاء أن يعمّ به الانتفاع ، ويكون ممتعا للقلوب والأسماع . مقدّما في كل آية ما يتعلق بمهمّ العربية واللغة ، ثم بمعاني الألفاظ الظاهرة ، ثم بالإشارات الباطنة . متوسطا في ذلك بين الإطناب