ابن عجيبة
499
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوة في الأعمال والطاعات ، ولذلك خصوا بالنبوة ، والإمامة ، والولاية ، وإقامة الشعائر ، والشهادة ، في مجامع القضايا ، ووجوب الجهاد والجمعة ونحوهما ، والتعصيب ، وزيادة السهم في الميراث ، والاستبداد بالطلاق . والكسبي هو : ( بما أنفقوا من أموالهم ) في مهورهن ، ونفقتهن ، وكسوتهن . فيجب على الزوج أن يقوم بالعدل في أمر نسائه ، فالمرأة الصالحة القانتة ، أي : المطيعة لزوجها ولله تعالى ، الحافظة للغيب ، أي : لما غاب عن زوجها من مال بيته وفرجها وسر زوجها ، حفظت ذلك بحفظ الله ، أي : بما جعل الله فيها من الأمانة والحفظ ، وبما ربط على قلبها من الديانة ، أو بحفظها حق الله ، فلما حفظت حقوق الله حفظها الله بعصمته ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « احفظ الله يحفظك » . فمن كانت على هذا الوصف من النساء فيجب على الزوج حسن القيام بها ، ومقابلتها في القيام بما قابلته من الإحسان ، وعنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرّتك ، وإن أمرتها أطاعتك ، وإن غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها » . وتلا هذه الآية . وأما النساء التي تَخافُونَ أي : تتيقنون نُشُوزَهُنَّ أي : ترفعهن عن طاعة أزواجهن وعصيانهن ، فَعِظُوهُنَّ بالقول ، فإن لم ينفع فاهجروهن في المضاجع ، أي : لا تدخلوا معهن في لحاف ، أو لا تجامعوهن ، فإن لم ينفع فاضربوهن ضربا غير مؤلم ولا شائن . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « علّق السّوط حيث يراه أهل البيت » . وعن أسماء بنت أبي بكر - رضى اللّه عنهما - قالت : ( كنت رابع نسوة عند الزبير بن العوام ، فإذا غضب على إحدانا ، ضربها بعود المشجب ، حتى ينكسر ) . والمشجب : أعواد مركبة يجعل عليها الثياب . فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ يا معشر الأزواج ، أو عقدن التوبة مما مضى ، فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي : لا تطلبوا عليهن طريقا تجعلونه سبيلا لإيذائهن ، بل اجعلوا ما كان منها من النشوز كأن لم يكن ، ( فإنّ التّائب من الذّنب كمن لا ذنب له ) . وقال ابن عيينة : أي لا تكلفوهن بحبكم . ه . وقال الورتجبي : إذا حصل منهن صورة طاعة الرجال فلا يطلب منهن موافقة الطباع ، فإن ذلك منازعة للقدر . قال تعالى : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، وذكر حديث : « الأرواح جنود مجنّدة » . ثم هدد الأزواج فقال : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً فاحذروه ، فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت ولايتكم ، أو : إنه على علو شأنه ، يتجاوز عن سيئاتكم ، فأنتم أولى بالعفو عن نسائكم ، أو : أنه يتعالى ويكبر أن يظلم أحدا أو ينقص حقه .