ابن عجيبة
495
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : ولا تقتلوا أنفسكم باتباع الشهوات وتراكم الغفلات ، فإنه يفوتها الحياة الحقيقية . وقال الفضيل بن عياض رضي اللّه عنه : ( لا تغفلوا عن حظ أنفسكم ، فمن غفل عن حظ نفسه ، فكأنما قتلها ) . وحظ النفس هو تزكيتها وتحليتها بالكمالات ، أو قوتها من العلم اليقين ، والمعرفة وصحة التمكين ، والمراد بالنفس هنا الروح ، وأما ما اصطلحت عليه الصوفية من أن النفس يجب قتلها ، فإن مرادهم بذلك النفس الأمارة ، فإن الروح ما دامت مظلمة بالمعاصي والهوى سميت نفسا ، فإذا تطهرت وتزكت سميت روحا . وهو المراد هنا . سماها نفسا باعتبار ما كانت عليه . والله تعالى أعلم . ثم إن قتل النفس من الكبائر ، فمن اجتنبه مع غيره من الكبائر غفرت له الصغائر ، كما أشار إلى ذلك ترغيبا في اجتناب ما ذكر ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 31 ] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ( 31 ) قلت : المدخل - بالضم : مصدر ، بمعنى الإدخال ، وبالفتح : المكان ، ويحتمل المصدر . يقول الحق جل جلاله : إن تجتنبوا كبائر الذنوب التي تنهون عنها نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ الصغائر وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً وهو الجنة ، أو إدخالا مصحوبا بالكرامة والتعظيم ، واختلف في الكبائر ، هل تعرف بالعد أو بالحد ؟ فقيل : سبع ، وقيل : سبعون ، وقيل : سبعمائة ، وقيل : كل معصية فهي كبيرة . وعنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « اجتنبوا السّبع الموبقات : الإشراك بالله ، والسّحر ، وقتل النّفس بغير حقها ، وأكل الرّبا ، وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزّحف ، ورمى المحصنات الغافلات المؤمنات » . قال ابن جزى : لا شك أن هذه من الكبائر لنص الشارع عليها ، وزاد بعضهم عليها أشياء ورد النص عليها في الحديث أنها من الكبائر ، منها عقوق الوالدين ، وشهادة الزور ، واليمين الغموس ، والزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، والنهبة ، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله ، ومنع ابن السبيل الماء ، والإلحاد في البيت الحرام ، والنميمة ، وترك التحرّز من البول ، والغلول ، واستطالة الرجل في عرض أخيه ، والجور في الحكم . وقيل في حدها : كل جريمة تؤذن بقلة الدين ورقة الديانة ، وقيل : ذنوب الظاهر صغائر ، وذنوب الباطن كبائر . وقيل : كل ما فيه حق الغير فهو كبائر ، وما كان بينك وبين اللّه تعالى صغائر ، واحتج هذا بقوله - عليه الصلاة والسلام - : « ينادى يوم القيامة مناد من بطنان العرش « 1 » : يا أمّة أحمد ، إنّ اللّه تعالى يقول : أمّا ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم ، وبقيت التباعات ، فتواهبوها ، وادخلوا الجنة » .
--> ( 1 ) بطنان العرش : أي من وسطه ، وقيل من أصله ، وقيل : البطنان جمع بطن . يريد من دواخل العرش . انظر النهاية .