ابن عجيبة

487

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 24 ] وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 24 ) وَ حرم الله تعالى - الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ وهنّ اللاتي في عصمة أزواجهن ، فلا يحل نكاحهن ما دمن في عصمة الزوج ، إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الغنيمة ، فإذا سبيت الكافرة ، ولها زوج ، جاز لمن ملكها أن يطأها بالملك بعد الاستبراء ، قال في المختصر : وهدم السبي النكاح ، إلا أن تسبى وتسلم في عدتها فهو أحق بها ، وقد بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جيشا إلى أوطاس ، فأصابوا سبيا من العدو ، ولهن أزواج من المشركين فتأثموا من غشيانهن ، فنزلت الآية مبيحة لذلك ، كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي : كتب الله ذلك عليكم كتابا ، وهو ما حرّم في الآية من النساء . الإشارة : اعلم أن الإنسان لا يصير كاملا عارفا حتى يولد ثلاث مرات بعد الأم الحسية ، أولها : خروجه من بطن حب الدنيا الدنية ، ثم من الغفلة والشهوات الجسمانية ، ثم من ضيق الأكوان الظلمانية ، إلى فضاء المشاهدة والمعاينة ، وقال بعض الأولياء : ( ليس منا من لم يولد مرتين ) : فاعتبر الأولى والثالثة ، فإذا خرج الإنسان من هذه البطون حرّم الله عليه نكاحها والرجوع إليها . وكذا يحرم عليه الرجوع إلى ما تولد منه من الزلات ، والأحوال الظلمانية ، وما كان ألفه وتواخى معه من البطالات والمألوفات ، وما وجد عليه أسلافه من التعصبات والحميات والرئاسات ، ولا فرق بين ما واجهه من ذلك من قبل الآباء والأمهات ، وكذلك ما ارتضع من ثدي الشهوات من لبان الغفلة ، وتراكم الأكنّات « 1 » ، فليبادر إلى نحريمها ، وفطام نفسه عنها ، قبل تحكمها ، كما قال البوصيري رضي اللّه عنه : والنّفس كالطّفل إن تهمله شبّ * على حبّ الرّضاع وإن تفطمه ينفطم وكذا يحرم عليه ، صحبة من ارتضع معه في هذا الثدي قبل الفطام ؛ من الأخوة والأخوات ، وكذا أمهات الخطايا ، وهي حب الدنيا والرياسة والجاه ، وكذلك حرمت عليكم ربائب العلائق والعوائق ، لتدخلوا بلاد الحقائق ، فإن لم تكونوا من أهل الحقائق فلا جناح عليكم إذ كنتم من عوام الخلائق ، وكذلك يحرم عليكم ما حل لأبناء جنسكم من تعاطى الأسباب والاشتغال بها عن خدمة رب الأرباب ، وأن تجمعوا بين حب الدنيا ومحبة المولى . قال الشافعي رضي اللّه عنه : ( من ادّعى أنه جمع بين حب الدنيا وحب خالقها ، فقد كذب ) . إلا ما قد سلف في أيام البطالة ، وكذا يحرم على المريد المتجرد المستشرف على المعاني تعاطى العلوم الظاهرة ، التي دخل بها أهل الظاهر وافتضوا بكارتها - إلا ما ملكه قبل التجريد ، فلا يضره إن غاب عنها في أسرار التوحيد ، والله تعالى أعلم بأسرار غيبه .

--> ( 1 ) الأكنات : الأغطية .