ابن عجيبة

479

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ، أي : من عدول المؤمنين يرونهما كالمرود في المكحلة ، وإنما جعلوا أربعة مبالغة في الستر على المؤمن ، أو ليكون على كل واحد اثنان ، فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بذلك فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ، واجعلوه سجنا لهن حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أي : يستوفى أجلهن الموت ، أو يتوفاهن ملك الموت ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا كتعيين الحد المخلّص من السجن ، وكان هذا في أول الإسلام ثم نسخ بما في سورة النور من الحدود ، ويحتمل أن يراد التوصية بإمساكهن بعد أن يجلدن كي لا يعدن إلى الزنى بسبب الخروج والتعرض للرجال . واكتفى بذكر حدّهن ، بما في سورة النور ، وهذا الإمساك كان خاصا بالنساء بدليل قوله وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ أي : الزاني والزانية منكم ، ( فآذوهما ) بالتوبيخ والتقريع - ( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ) أي : اقطعوا عنهما الأذى ، أو أعرضوا عنهما بالإغماض عن ذكر مساوئهما . قيل : إن هذه الآية سابقة على الأولى نزولا ، وكان عقوبة الزنى الأذى ثم الحبس ثم الجلد ، وقيل ، الحبس في المساحقات ، والإيذاء في اللواطين ، وما في سورة النور في الزناة . والذي يظهر . أن الحكم كان في أول الإسلام في الزنا : الإمساك للنساء في البيوت بعد الإيذاء بالتوبيخ ، فتمسك في بيتها حتى تموت ، أو يجعل الله لها سبيلا بالتزوج بمن يعفها عنه . والإيذاء للرجال بالتعيير والتقريع والتحجيم حتى تتحقق توبته ، ثم نسخ ذلك كله بالحدود ، وهو جلد البكر مائة وتغريبه عاما ورجم المحصن . والله تعالى أعلم . الإشارة : ينبغي للعبد ، إذا طغت عليه نفسه ، وأرادت ارتكاب الفواحش ، أن يستشهد عليها الحفظة ، الذين يحفظون عليه تلك المعاصي ، فإن لم تستح ، فليعاقبها بالحبس في سجن الجوع والخلوة والصمت ، حتى تموت عن تلك الشهوات ، أو يجعل الله لها طريقا بالوصول إلى شيخ يغيّبه عنها ، أو بوارد قوى من خوف مزعج أو شوق مقلق ، فإن تابت وأصلحت ، أعرض عنها واشتغل بذكر الله ، ثم يغيب عما سواه . وبالله التوفيق . ثم ذكر الحق تعالى وقت التوبة التي تقبل ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 17 إلى 18 ] إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 18 )