ابن عجيبة
478
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : تِلْكَ الأحكام التي شرعناها لكم في أمر الوصايا والمواريث ، هي حُدُودُ اللَّهِ حدّها لكم لتقفوا معها ولا تتعدوها وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ فيما أمر به وحدّه ، وَرَسُولَهُ فيما شرّعه وسنّه يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها . وَذلِكَ هو الْفَوْزُ أي : الفلاح الْعَظِيمُ ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ فيما أمر ونهى ، وَرَسُولَهُ فيما شرعه ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ التي حدها ، فتجاوز إلى متابعة هواه ، يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ . وهذا إذا أنكر مشروعيتها فيكون كافرا ، وإلّا كان عاصيا في حكم المشيئة ، ومذهب أهل السنة أنه لا يخلد ، وحملوا الآية على الكافر ، أو عبارة عن طول المدة ، كما في قاتل النفس . والله تعالى أعلم . الإشارة : قد حدّ الحق - جل جلاله - لأهل الشريعة الظاهرة حدودا قام ببيانها العلماء ، وحدّ لأهل الحقيقة - وهي سر الولاية - حدودا ، قام بها الأولياء ، فمن قام بحدود الشريعة الظاهرة كان من المؤمنين الصالحين ، ومن تعداها كان من العاصين الظالمين ، ومن قام بحدود الحقيقة الباطنية ، وصحب أهلها كان من المحسنين العارفين المقربين ، ودخل جنة المعارف ، ومن تعدّ حدود الحقيقة ، أو لم يصحب أهلها كان من عوام أهل اليمين ، وله عذاب الحجاب في غم الحساب ، وقال في الحاشية : في حد حدوده إشارة للعبودية ، في إخراج كل عن نظره واختياره ، ثم انقياده وذلته لحكم ربه ، والوقوف عند حدوده . وقال الورتجبي : قيل : ( تلك حدود الله ) أي : الإظهار من الأحوال للمريدين على حسب طاقتهم لها ، فإن التعدي فيها يهلكهم ، وقال أبو عثمان : ما هلك امرؤ لزم حده ولم يتعد طوره . ه . وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ولمّا فرغ الحق تعالى من الأمر بحفظ الأموال ، شرع في الكلام على حفظ الأنساب ، وقدّم الكلام أولا على الزنى ؛ إذ به تختلط الأنساب ، ويختل نظام حفظها ، ثم تكلم بعد على النكاح وما يحرم من النساء وما يحل ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 15 إلى 16 ] وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ( 15 ) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 16 ) يقول الحق جلا جلاله : وَ النساء اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ أي : الزنى ، سمّى فاحشة لفحش قبحه وبشاعة فعله شرعا ، مِنْ نِسائِكُمْ المسلمات ، فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أي : اطلبوا من رماهنّ بذلك أن يشهدوا