ابن عجيبة
471
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : حذّر الحق - جل جلاله - أهل الدعوى ، الذين نصبوا أنفسهم للشيخوخة ، وادعوا مقام التربية ، مع كونهم جهالا بالله ، محجوبين عن شهود أسرار التوحيد ، أن يأخذوا أموال الضعفاء ؛ الذين تعلقوا بهم ؛ لأنهم إنما يدفعون لهم ذلك طمعا في الوصول إلى الله . وهم ليسوا أهلا لذلك ، فإذا أكلوا ذلك فإنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ، وهو تكثيف الحجاب ، وزيادة العنت والتعب ، إن أقبل عليهم الناس فرحوا واستبشروا ، وإن أدبروا عنهم حزنوا وغضبوا ، فأىّ عذاب أعظم من هذا ! ! فتحصّل من أول الآية إلى آخرها ، أن الحق - تعالى - أمر أهل الغنى الأكبر ، وهم الذين أهّلهم للتربية النبوية ، بأن سلكوا الطريق وأشرقت عليهم شموس التحقيق على يد شيخ كامل ، بالاستعفاف ، ولا يأخذوا إلّا قدر الحاجة ، من أموال من انتسب إليهم ، وسد الباب لأهل الدعوى ، لأنه من أكل أموال الناس بالباطل ، لأنه يعطى على وجه لم يوجد في المعطى إليه ، إلا إذا كان على وجه الصدقة المحضة ، مع أنه قد يكون غير مستحق لها . والله تعالى أعلم . ثم بيّن الحق تعالى قسمة التركة ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 11 ] يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 11 ) يقول الحق جل جلاله : ( يوصيكم الله ) أي : يأمركم ويعهد إليكم ، فِي أَوْلادِكُمْ ، أي : في بيان ميراثهم ، ثم فصّله فقال : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، أي يعد كل ذكر بأنثيين ، فإذا ترك ابنا وبنتا ، كانت من ثلاثة ، للذكر سهمان وللبنت سهم ، وإذا ترك ابنا وبنتين فله قسمتان ، ولكل واحدة قسمة ، وهكذا ، قال ابن جزى : هذه الآية نزلت بسبب سعد بن الربيع ، وقيل : بسبب جابر بن عبد الله ، إذ عاده رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في مرضه ؛ ورفعت ما كان في الجاهلية من ترك توريث النساء والأطفال . وقيل : نسخت الوصية للوالدين والأقربين . وإنما قال : « يوصيكم » بلفظ الفعل الدائم ، ولم يقل : أوصاكم ، تنبيها على نسخ ما مضى ، والشروع في حكم آخر ، وإنما قال : ( يوصيكم ) بالاسم الظاهر ، أي : ( الله ) ولم يقل : نوصيكم ، لأنه أراد تعظيم الوصية ، فجاء بالاسم الذي هو أعظم الأسماء ، وإنما قال : ( في أولادكم ) ولم يقل : في أبنائكم ؛ لأن الابن يقع على الابن من الرضاعة ، وعلى ابن البنت ، وعلى الابن المتبنى ، وليسوا من الورثة ، فإن قيل : هلّا قال : للأنثيين مثل حظ الذّكر ، أو للأنثى