ابن عجيبة

469

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : يقول الحق جل جلاله لخواص أحبابه : إذا دارت الكؤوس بخمرة الملك القدوس ، وتعاطيتم قسمتها بين أرواحكم حتى امتلأت جميع أشباحكم ، وروت منها عروقكم ، وحضر معكم من ليس من أبناء جنسكم ، ممن لا يحل شرب خمرتكم ، فإن كان من أهل المحبة والوداد ، أو من له بكم قرابة واستناد ، فلا تحرموه من شراب خمرتكم ، ولا من نفحات نسمتكم ، فإنكم قوم لا يشقى جليسكم ، فارزقوه من ثمار علومكم ، واسقوه من شراب خمرتكم ، وذكّروه بالله ، وقولوا له ما يدله على الله ، ويوصله إلى حضرة الله ، وهذا هو القول المعروف ، الذي هو بالنصح موصوف . روى أن أبا هريرة رضي اللّه عنه نادى في سوق المدينة : يا معشر التجار ، اذهبوا إلى المسجد ، فإنّ تركة محمد تقسم فيه ، لتأخذوا حقكم منها مع الناس قبل أن تنفد ، فذهب التجّار إلى المسجد النبوي ، فوجدوه معمورا بالناس ، بعضهم يصلى ، وبعضهم يتلو ، وبعضهم يذكر ، وبعضهم يعلم العلم ، فقالوا : يا أبا هريرة ، ليس هنا ما ذكرت من قسم التركة ! فقال لهم : ( هذه تركة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لا ما أنتم عليه من جمع الأموال ) أو كما قال رضي اللّه عنه . ثم حثّ الأوصياء على الرفق بأولاد الناس ، الذي هم في حجرهم ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 9 ] وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ( 9 ) قلت : « لَوْ » - هنا - شرطية ، تخلص للاستقبال ، وجوابها : ( خافُوا ) ، وحذف مفعول لْيَخْشَ للعموم ، فيصدق بخشية العذاب وخشية العتاب وخشية البعد عن الأحباب ، على حسب حال المخاطبين بهذه الخشية . يقول الحق جل جلاله للأوصياء الذين في ولايتهم أولاد الناس : وَلْيَخْشَ الذين يتولون يتامى الناس ، فليحفظوا ما لهم ، وليحسنوا تنميته لهم ولا يضيعوه ، وليخافوا عليهم الضيعة ، كما يخافون على أولادهم ، فإنهم لو ماتوا وتركوا ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ ، فكما يخافون على أولادهم بعدهم كذلك يخافون على أولاد الناس ، فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ في شأنهم ، وليحفظوا عليهم أموالهم ، وليرفقوا بهم ويلاطفوهم في الكلام ، كما يحبون أن يلاطف بأولادهم ، وَلْيَقُولُوا لهم قَوْلًا سَدِيداً أي : عدلا صوابا بالشفقة وحسن الأدب . وقيل : الخطاب لمن حضر المريض عند الإيصاء فيقولون له : قدم لنفسك ، أعتق ، تصدق ، أعط كذا ، حتى يستغرق ماله ، فنهاهم الحق - تعالى - عن ذلك ، وقال لهم : كما تخافون الضيعة على أولادكم بعدكم خافوا على أولاد الناس ، فليتقوا الله في أمر المريض بإعطاء ماله كله ، وَلْيَقُولُوا له قَوْلًا سَدِيداً : عدلا ، وهو الثلث ، وقيل : للمؤمنين كلهم عند موتهم ، بأن ينظروا للورثة ، فلا يسرفوا في الوصية بمجاوزة الثلث . والله تعالى أعلم .