ابن عجيبة
468
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يا رسول الله ؛ إن أوس بن ثابت مات ، وترك بنات ثلاثا ، وأنا امرأته ، وليس عندي ما أنفقه عليهنّ ، وقد ترك أبوهن مالا حسنا ، وهو عند سويد وعرفجة ، فدعاهما النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقالا : يا رسول اللّه ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل سلاحا ، لا ينكأ عدوّا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « انصرفوا حتى أرى ما يحدث اللّه تعالى » ، فانصرفوا . فنزلت الآية . فأثبت الله لهن في الآية حقا ، ولم يبيّن كم هو - فأرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى سويد وعرفجة : « لا تفرقا من مال أوس شيئا ، فإنّ اللّه تعالى جعل لبناته نصيبا ، ولم يبيّن كم هو حتى أنظر ما ينزل اللّه تعالى » ، فأنزل الله تعالى بعد : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ . . إلى قوله . . . الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . فأرسل إليهما : « أن ادفعا إلى أم كحة الثّمن ، وإلى بناته الثّلثين ، ولكما باقي المال » . الإشارة : كما جعل الله للنساء نصيبا من الميراث الحسى جعل لهن نصيبا من الميراث المعنوي ، وهو السر ، إن صحبت أهل السر ، وكان لها أبو الروحانية ، وهو الشيخ ، فللرجال نصيب مما ترك لهم أشياخهم من سر الولاية ، وللنساء كذلك على قدر ما سبق في القسمة الأزلية ، قليلة كانت أو كثيرة ، نصيبا مفروضا معينا في علم الله وقدره ، وقد سواهن الله تعالى مع الرجال في آية السير ، فقال : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إلى آخر الآية ، فمن صار منهن مع الرجال أدرك ما أدركوا . وبالله التوفيق . ثم أمر الورثة بالإحسان إلى من حضر معهم القسمة ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 8 ] وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ( 8 ) قلت : الضمير في ( منه ) : يعود على المقسوم المفهوم من القسمة . يقول الحق جل جلاله : وَإِذا حَضَرَ معكم في قسمة التركة ذوو القرابة ممّن لا يرث ، كالأخوال والخالات والعمات ، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ ، فَارْزُقُوهُمْ أي : فأعطوهم شيئا من المال المقسوم تطييبا لقلوبهم . فإن كان المال لغيركم ، أو كان الورثة غير بالغين ، فقولوا لهم قَوْلًا مَعْرُوفاً ، بأن تعلموهم أن المال لغيرنا ، ولو كان لنا لأعطيناكم ، والله يرزقنا وإياكم . واختلف في هذا الأمر ، هل للندب - وهو المشهور - أو للوجوب ونسخ بآية المواريث ؟ وقيل : لم ينسخ ، وهي مما تهاون الناس بها . والله تعالى أعلم .