ابن عجيبة

467

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : ينبغي للشيخ أن يختبر المريد في معرفته وتحقيق بغيته ، فإذا بلغ مبلغ الرجال وتحققت فيه أوصاف الكمال ، بحيث تحقق فناؤه ، وكمل بقاؤه ، وتمت معرفته ، فيكون تصرفه كله بالله ومن الله وإلى الله ، يفهم عن الله في كل شئ ، ويأخذ النصيب من كل شئ ، ولا يأخذ من نصيبه شيئا ، قد تحلّى بحلية الورع ، وزال عنه الجزع والطمع ، وزال عن قلبه خوف الخلق وهمّ الرزق ، واكتفى بنظر الملك الحق ، يأخذ الحقيقة من معدنها ، والشريعة من موضعها ، فإذا تحققت فيه هذه الأمور ، وأنس رشده ، فليطلق له التصرف في نفسه ، وليأمره بتربية غيره ، إن رآه أهلا لذلك ، ولا ينبغي أن يحجر عليه بعد ظهور رشده ، ولا يسرف عليه في الخدمة قبل رشده ، مخافة أن يزول من يده . فإن كان غنيا عن خدمته فليستعفف عنه ، وليجعل تربيته لله اقتداء بأنبياء الله . قال تعالى : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً * وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ * ، وإن كان محتاجا إليها فليستخدمه بالمعروف ، ولا يكلفه ما يشق عليه ، فإذا دفع إليه السر ، وتمكن منه ، وأمره بالتربية أو التذكير فليشهد له بذلك ، ويوصى بخلافته عنه ، كي تطمئن القلوب بالأخذ عنه ، ( وكفى بالله وليا وكفى به نصيرا ) . ولما أمر الحق تعالى بحفظ أموال اليتامى أمر بحفظ أموال النساء ، وذكرهن بعدهم لمشاركتّهن لهم في الضعف ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 7 ] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 7 ) قلت : جملة مِمَّا قَلَّ . . إلخ ، بدل ( مما ترك ) ، و « نصيبا » : مصدر مؤكد كقوله : فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أي : نصب لهم نصيبا مقطوعا ، أو حال ، أو على الاختصاص ، أعنى : نصيبا مقطوعا . يقول الحق جل جلاله : وإذا مات ميت وترك مالا فللرجال نصيب مما ترك آباؤهم وأقاربهم ، وللنساء نصيب مما ترك والدهن وأقاربهن كالإخوة والأخوات ، مما ترك ذلك الميت قل أو كثر ، ( نصيبا مفروضا ) واجبا محتما . روى أنّ أوس بن ثابت الأنصارىّ توفّى ، وترك امرأة يقال لها : ( أم كحّة ) وثلاث بنات ، فأخذ ابنا عمّ الميت المال ، ولم يعطيا المرأة ولا بناته شيئا ، وكان أهل الجاهليّة لا يورّثون النّساء ولا الصغير ولو كان ذكرا ، ويقولون : إنما يرث من يحارب ويذب عن الموروث ، فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وهو في مسجد الفضيخ ، فقالت :