ابن عجيبة
464
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : نِحْلَةً : مصدر من آتوهن ، لأنها في معنى الإيتاء ، يقال : نحله كذا نحلة ونحلا ؛ إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض ولا حكم حاكم ، والضمير في « منه » يعود على الصداق أو على « الإيتاء » ، و ( نفسا ) تمييز ، و ( هنيئا مريئا ) : صفتان لمصدر محذوف ، أي : أكلا هنيئا ، وهو من هنؤ الطعام ومرؤ ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ، وقيل الهنيء : ما يلذه الإنسان ، والمريء : ما تحمد عاقبته . يقول الحق جل جلاله للأزواج : وَآتُوا النِّساءَ التي تزوجتموهن صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أي : عطية مبتلة « 1 » ، لا مطل فيها ولا ظلم ، فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ من الصداق ، وأعطينه لكم عن طيب أنفسهن فَكُلُوهُ هَنِيئاً لاتبعة عليكم فيه ، مَرِيئاً : سائغا حلالا لا شبهة فيه ، روى أن ناسا كانوا يتحرّجون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئا ، فنزلت . وقيل : الخطاب للأولياء ، لأن بعضهم كان يأكل صداق محجورته ، فأمروا أن يعطوهن صداقهن ، إلا إن أعطينهم شيئا عن طيب أنفسهن ، والله تعالى أعلم . الإشارة : وآتوا النفوس حقوقها من الراحة وقوت البشرية ، نحلة ، ولا تكلفوها فوق طاقتها ، فإن طبن لكم عن شئ من الأعمال أو الأحوال ، بانشراح صدر ونشاط ، فكلوه هنيئا مريئا ، فإنّ العبادة مع النشاط والفرح بالله أعظم وأقرب للدوام ، وهذا في حق النفوس المطمئنة ، وأما النفوس الأمارة فلا يناسبها إلا قهرية المجاهدة مع السياسة ؛ لئلا تمل ، أو تقول : من أقامه الحق تعالى في حال من الأحوال أو مقام من المقامات فليلزمه ، وليقم حيث أقامه الحق ، ويعطيه حقه ، فإن طاب وقته لحال من الأحوال فليأكله هنيئا مريئا . فالفقير ابن وقته ، ينظر ما يبرز له فيه من رزقه ، فكل ما وجد فيه قلبه فهو رزقه ، فليبادر إلى أكله لئلا يفوته رزقه منه . والله تعالى أعلم بأسرار كتابه . ثم نهى الأوصياء عن تمكين اليتامى من أموالهم قبل الرشد ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 5 ] وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ( 5 ) قلت : « قيما » : « 2 » مصدر قام قياما وقيما ، وأصله : قواما ، قلبت الواو ياء .
--> ( 1 ) البتل : القطع ( 2 ) قرأ نافع وابن عامر « قيما » وقرأ الجمهور « قياما » .