ابن عجيبة

459

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

سورة النّساء مدنية ، وهي ستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفا . وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأربعون كلمة . ومائة وستون آية . قاله الثعلبي . وقال البيضاوي : مائة وخمس وسبعون آية . ومضمنها : الأمر بحفظ ستة أمور : حفظ الأموال ، وحفظ الأنساب ، وحفظ الأبدان ، وحفظ الأديان ، وحفظ اللسان ، وحفظ الإيمان . بعد أن قدّم الأمر بالتقوى ، التي هي ملاك ذلك كله ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ( 1 ) قلت : من قرأ : ( والأرحام ) بالنصب ، فعطف على لفظ الجلالة ، أي : اتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وقرأ حمزة بالخفض على الضمير من ( به ) ؛ كقول الشاعر : فاليوم قد بتّ تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والأيّام من عجب « 1 » وجمهور البصريين يمنعون العطف على الضمير إلا بإعادة الجار ، فيقولون : مررت به وبزيد . وقال ابن مالك : وليس عندي لازما إذ قد أتى * في النّظم والنّثر الصّحيح مثبتا . والنثر الصحيح هو ما قرأ به حمزة ، وهذا هو التوجيه الصحيح ، وأما من جعل الواو للقسم فبعيد . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا النَّاسُ أي : جميع الخلق ، اتقوا ربكم فيما كلفكم به ، ثم بيّن موجب التقوى فقال : الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعنى آدم ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها يعنى حواء ، من ضلع من أضلاعه ، وَبَثَّ أي : نشر مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً أي : نشر من تلك النفس الواحدة بنين وبنات . قال البيضاوي : واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء ، إذ الحكمة تقتضى أن يكنّ أكثر ، وذكر : كَثِيراً

--> ( 1 ) البيت أنشده سيبويه ، انظر : شرح ابن عقيل على الألفية ، باب عطف النسق .