ابن عجيبة

457

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولمّا كان الصبر من الدّين كالرأس من الجسد ، فلو حصل للناس دائما لم يتوجه العتاب لأحد ، ختم به السورة ، التي عاتب فيها جل العباد ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 200 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 ) قلت : المرابطة : أن يربط هؤلاء خيولهم ، وهؤلاء خيولهم ، إرصادا لمن حاربهم ، ثم أطلق على كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه ، وإن لم يكن له مركب ، إذا كان بنية الدفع عن المسلمين كان بأهله أو وحده . المدار على خلوص النية ، خلاف ما قاله ابن عطية « 1 » ، وسيأتي صوابه « 2 » في تفسير المعنى ، إن شاء اللّه . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على مشاق الطاعات ، وما يصيبكم من الشدائد والأزمات ، وعلى مجانبة المعاصي والمخالفات ، وعلى شكر ما أوليتكم من مواهب العطيات وَصابِرُوا أي : غالبوا الأعداء في مواطن الصبر ، والثبوت في مداحض الحرب ، وَرابِطُوا أبدانكم وخيولكم في الثغور لتحفظوا المسلمين من العدو الكفور ، كي تفوزوا بعظائم الأجور ؛ قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من رابط يوما وليلة في سبيل اللّه كان كعدل صيام شهر وقيامه ، لا يفطر ولا ينفتل « 3 » عن صلاته إلا لحاجة ، ومن توفى في سبيل اللّه - أي : مرابطا في سبيل اللّه - أجرى اللّه عليه أجره حتى يقضى بين أهل الجنة وأهل النّار » . ومما يلحق بالرباط : « انتظار الصّلاة بعد الصّلاة » ، كما في الحديث . وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فلاحا لا خسران بعده أبدا . الإشارة : ( يا أيها الذين آمنوا ) إيمان أهل الخصوص ، ( اصبروا ) على حفظ مراسم الشريعة ، ( وصابروا ) على تحصيل أنوار الطريقة ، ( ورابطوا ) قلوبكم على شهود أسرار الحقيقة ، أو : اصبروا على أداء العبادة ، وصابروا على تحقيق العبودية ، ورابطوا في تحصيل العبودة - أي : الحرية - أو : اصبروا على تحقيق مقام الإسلام ، وصابروا على دوام الإيمان ، ورابطوا على العكوف في مقام الإحسان ، أو : اصبروا على تخليص الطاعات ، وصابروا على رفض الحظوظ والشهوات ، ورابطوا أسراركم على أنوار المشاهدات ، ( واتقوا اللّه ) فلا تشهدوا معه سواه ، ( لعلكم تفلحون ) ، بتحقيق معرفة اللّه . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق .

--> ( 1 ) قال ابن عطية - بعد كلام - : فأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعتمرون ويكتسبون هناك ، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين . ( 2 ) في الأصول : ثوابه . ( 3 ) انفتل : انصرف .