ابن عجيبة

454

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

روى « أنّ أمّ سلمة قالت : يا رسول اللّه ، إني أسمع اللّه يذكر الرجال في الهجرة ولم يذكر النساء ، فنزلت . مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى » إلخ . ثم فصل أعمال العمال ، وما أعد لهم من الثواب فقال : فَالَّذِينَ هاجَرُوا دار الشرك ، وفارقوا الأوطان والأصحاب والعشائر ، وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي بسبب إيمانهم باللّه ، وَقاتَلُوا الكفار ، وَقُتِلُوا أي : ماتوا في الجهاد . وقرىء بالعكس ؛ لأن الواو لا ترتب ، أو قتل بعضهم ، وقاتل الباقون ولم يضعفوا ، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي : لأمحونها ، وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي : أثيبهم ثوابا من عند اللّه تفضلا وإحسانا ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ لا يعجزه شئ . الإشارة : لما توجهوا إليه بهممهم العلية ، وعزائمهم القوية ، فقرعوا بابه بدوام ذكره ، والتفكر في عظمة ذاته ، وجميل إحسانه وبره ، وتضرعوا إليه بلسان الذل والانكسار ، وحال الخضوع والاضطرار ، أجابهم ففتح في وجوههم الباب ، وأدخلهم في حضرته مع الأحباب ، لأنه يجيب السؤال ، ولا يخيب الآمال ، بعد أن هاجروا الأوطان ، وفارقوا العشائر والإخوان ، إلا من يزيد بهم إلى الرحمن ، فقاتلوا نفوسهم حتى ماتت فحييت بالوصال ، إلى جوار الكبير المتعال ، قال الشاعر : إن ترد وصلنا فموتك شرط * لا ينال الوصال من فيه فضله فمحا عن عين بصائرهم سيئات الأغيار ، وطهّر قلوبهم من درن الأكدار ، حتى دخلوا جنة المعارف ، التي لا يحيط بوصفها وصف واصف ، تجرى من تحتها أنهار العلوم ، وتنفتح منها مخازن الفهوم ، ثوابا من عند الحي القيوم واللّه تعالى أعلم . ولما بسط اللّه الدنيا على اليهود والمشركين ، استدراجا ، قال بعض المؤمنين : إن أعداء اللّه فيما نرى من الخير ، وقد هلكنا من الجوع والجهد ، فأنزل اللّه تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 196 إلى 198 ] لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ( 196 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 197 ) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ( 198 ) قلت : النزل - ويسكن - : ما يقدم للنازل من طعام وشراب وصلة ، وانتصابه : على الحال من ( جنات ) ، والعامل فيه : الظرف ، أو على المصدر المؤكد ، أي : أنزلوها نزلا .