ابن عجيبة
452
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : قوله : [ لا يخطر بقلبه معصية ] غير لازم ؛ لأن قلب العارف مرسى للتجليات النورانية والظلمانية ، لكنها تقل ولا تسكن . وقال في موضع آخر : وأما عبادة ذوى الألباب فلا تجاوز ذكر اللّه تعالى والفكر فيه ؛ حبا لجلاله وجماله ، وسائر الأعمال تكون مؤكدات . قال : والعامل لأجر الجنة ؛ درجته درجة البله ، وإنه لينالها بعمله ؛ إذ أكثر أهل الجنة البله . ه . وقال في كتاب كيمياء السعادة : وقد غلط من ظن أن وظائف الضعفاء كوظائف الأقوياء ، حتى قال بعض مشايخ الصوفية : من رآني في الابتداء ، قال : صار صديقا ، ومن رآني في الانتهاء ، قال : صار زنديقا ، يعنى أن الابتداء يقتضى المجاهدة الظاهرة للأعين بكثرة العبادات ، وفي الانتهاء يرجع العمل إلى الباطن ، فيبقى القلب على الدوام في عين الشهود والحضور ، وتفتر ظواهر الأعضاء ، فيظن أن ذلك تهاون بالعبادة « 1 » ، وهيهات هيهات ! ! ، فذلك استغراق لمخ العبادات ولبابها وغايتها ، ولكن أعين الخفافيش تكل عن درك نور الشمس . ه . قال شيخ شيوخنا - سيدي عبد الرحمن العارف - بعد نقل كلام القشيري في هذا المعنى : وما أشار إليه ظاهر في أن أهل القلوب لا يتعاطون كل طاعة . وإنما يتعاطون من الطاعات ما يجمعهم ولا يفرقهم . ولذلك قال الجنيد : أحب للصوفى ألا يقرأ ولا يكتب ؛ لأنه أجمع لهمه ، قال : وأحب للمريد ألا يشتغل بالتكسب وطلب الحديث ؛ لئلا يتغير حاله . ه . قلت : ومن رزقه اللّه شيخ التربية فما عيّنه له فهو عين ذكره ، يسير به كيفما كان . هذا ما يتعلق بحال الذكر الذي قدّمه اللّه تعالى ، وأما التفكر فهو أعظم العبادات وأفضل القربات ، هو عبادة العارفين ومنتهى المقربين . وفي الخبر : « تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة » . وقال الجنيد رضي اللّه عنه : أشرف المجالس وأعلاها : الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد ، والتنسم بنسيم المعرفة ، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد ، والنظر لحسن الظن باللّه تعالى . ثم قال : يا لها من مجالس ، ما أجلها ، ومن شراب ما ألذه ، طوبى لمن رزقه . وقال القشيري رضي اللّه عنه : التفكر نعت كل طالب ، وثمرته : الوصول بشرط العلم ، فإذا سلم الفكر عن الشوائب ورد صاحبه على مناهل التحقيق . ه . وسئلت زوجة أبي ذر عن عبادة زوجها ، فقالت : كان نهاره أجمع في ناحية يتفكر . وكذلك زوجة أبى بكر قالت : كان ليله أجمع في ناحية يتفكر . وكذا زوجة أبى الدرداء ، وكان سيدنا عيسى عليه السّلام يقول : طوبى لمن كان قيله ذكرا وصمته تفكرا ، ونظره عبرة . وقال الحسن رضي اللّه عنه : من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو ، ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو ، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو . ه . وقال في الحكم : ( ما نفع القلب شئ مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة ) . وقال أيضا : ( الفكرة سراج القلب ، فإذا ذهبت فلا إضاءة له ) . وقال أيضا : ( الفكرة فكرتان ؛ فكرة تصديق وإيمان ، وفكرة شهود وعيان ، فالأولى لأرباب الاعتبار ، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار ) .
--> ( 1 ) راجع التعليق على إشارة الآية 212 من سورة البقرة .