ابن عجيبة

448

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : أهل العلم إذا تحققوا بوجود الخصوصية عند ولى ، وكتموا ذلك حسدا وخوفا على زوال رئاستهم ، دخلوا في وعيد الآية ؛ لأنّ العوام تابعون لهم ، فإذا كتموا أو أنكروا تبعوهم على ذلك ، فيحملون أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ، واللّه تعالى أعلم . ولما سأل - عليه الصلاة والسلام - اليهود عن شئ في التوراة ، وكتموه وأخبروه بغيره ، فخرجوا وقد أروه أنهم أخبروه عما سألهم ، واستحمدوا إليه ففرحوا ، أنزل اللّه فيهم : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 188 إلى 189 ] لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 188 ) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 189 ) قلت : من قرأ بالخطاب ، فالذين : مفعول أول ، والثاني : محذوف ، أي : بمفازة من العذاب ، أو هو المذكور ، و ( تحسبنهم ) : تأكيد للفعل الأول ، ومن قرأ بالغيب ؛ فالذين : فاعل ، والمفعولان : محذوفان ، دلّ عليهما ذكرهما مع الثاني ، أي : لا يحسبوا أنفسهم فائزة . ( فلا تحسبنهم ) : من قرأ بفتح التاء ؛ فالخطاب للرسول - عليه الصلاة والسلام - ، والفعل مبنى ، ومن قرأ بالياء ؛ فالخطاب للذين يفرحون ، والفعل معرب ، أي : لا يحسبوا أنفسهم بمفازة من العذاب . يقول الحق جل جلاله : لا تَحْسَبَنَّ يا محمد الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي : بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا من الوفاء بالعهد ، وإظهار الحق ، والإخبار بالصدق ، أنهم فائزون من العذاب ، فلا تظنهم بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ ، بل لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ موجع ، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؛ إن شاء عذب وإن شاء رحم ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فلا يعجزه من ذلك شئ ، أو : لا يظن الذين يفرحون بما أتوا ، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، فلا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب . وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه : ( أنها نزلت في المنافقين ، كانوا إذا خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » تخلّفوا ، وإذا قدم اعتذروا ، فإذا قبل عذرهم فرحوا ، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) . وما تقدم في التوطئة هو عن ابن عباس . وقال

--> ( 1 ) أي : إلى الغزو .