ابن عجيبة

445

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وإظهار عوراهم ، واللّه حفيظ عليهم ، سيكتب ما قالوا وما قصدوا من الإنكار على أوليائه ، ويقول لهم : ذوقوا عذاب البعد والحجاب . ومما يتشبثون به في الإنكار عليهم : اقتراحهم الكرامات التي كانت للأولياء قبلهم ، ويقولون : لانصدق بهم حتى يأتوا بما أتى به فلان وفلان ، فقد كان من قبلهم يطعنون فيهم مع ظهور ذلك عليهم ، كما هو سنة اللّه فيهم . ( واللّه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ) . ثم سلّى الحقّ نبيه - عليه الصلاة والسلام - بقوله : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 184 ] فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ ( 184 ) قلت : ( الزبر ) : جمع زبور ، بمعنى مزبور ، أي : مكتوب ، من زبرت ، أي : كتبت ، وكل كتاب فهو زبور ، وقال امرؤ القيس : لمن طلل أبصرته فشجانى * كخطّ زبور في عسيب يمان يقول الحق جل جلاله ، في تسلية رسوله - عليه الصلاة والسلام - من تكذيب اليهود وغيرهم له : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فليس ذلك ببدع ؛ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مثلك مِنْ قَبْلِكَ جاءوا قومهم بالمعجزات البينات ، وبالكتب المنزلات ، فيها مواعظ زاجرات ، وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ المشتمل على الأحكام الشرعيات . الإشارة : كما كذبت الأنبياء كذبت الأولياء ، بعد أن ظهر عليهم من العلوم الباهرة والحكم الظاهرة والكرامات الواضحة ، وأعظمها المعرفة ، وهذه سنة ماضية ، ولن تجد لسنة اللّه تبديلا . وعند اللّه تجتمع الخصوم ؛ فيظهر المحق من المبطل ، وتوفى كل نفس ما أسلفت ، وتعلم علم يقين ما أظهرت وأضمرت ، كما أشار إلى ذلك بقوله : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 185 ] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ ( 185 ) قلت : ( زحزح ) : بوعد ، والزحزحة : الجذب والإخراج بعجلة . يقول الحق جل جلاله : كل نفس منفوسة لا بد أن تذوق حرارة الموت ، وتسقى كأس المنون ، وإنما توفون جزاء أعمالكم يوم القيامة ، يوم قيامكم من القبور ، خيرا كان أو شرا .