ابن عجيبة
443
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فمن بخل بماله حشر مع الفجار ، ومن بخل بنفسه وجاهه ، وبذل ماله ، حشر مع الأبرار ، ومن بذلهما معا حشر مع المصطفين الأخيار ، ومنتهى الملك للّه الواحد القهار ، وهو الغنى بالإطلاق . فمن وصفه بضد ذلك كان من أهل البعاد والشقاق . وإلى ذلك أشار بقوله : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 181 إلى 183 ] لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 181 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 182 ) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 183 ) قلت : ( وقتلهم ) : معطوف على ( ما ) المفعولة أو النائبة عن الفاعل ، على القرائتين رفعا ونصبا ، و ( أن اللّه ) : عطف على ( ما ) أي : ذلك العذاب بسبب ما قدمتم وبأن اللّه منتف عنه الظلم ، فلا بد أن يعاقب المسيئ ويثيب المحسن ، ( الذين قالوا إن اللّه عهد إلينا ) : صفة للذين ( قالوا إن اللّه فقير ) ، أو بدل منه مجرور مثله . يقول الحق جل جلاله : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ اليهود الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وقائله : فنحاص بن عازوراء ، في جماعة منهم ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بنى قينقاع ، يدعوهم إلى الإسلام ، وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأن يقرضوا اللّه قرضا حسنا ، فدخل أبو بكر رضي اللّه عنه مدراسهم « 1 » ، فوجد خلقا كثيرا اجتمعوا إلى فنحاس ، وهو من علمائهم - ومعه حبر آخر اسمه : ( أيشع ) ، فقال أبو بكر لفنحاص : اتق اللّه وأسلم ، فو اللّه إنك لتعلم أن محمدا رسول اللّه ، قد جاءكم بالحق من عند اللّه ، فأسلم وصدّق ، وأقرض اللّه قرضا حسنا يدخلك الجنة ، فقال فنحاص لعنه اللّه : يا أبا بكر ؛ تزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا ، وما يستقرض إلا الفقير من الغنى ، ولو كان غنيا ما استقرض ، فلطمه أبو بكر رضي اللّه عنه وقال : لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك ، فشكاه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال له : عليه الصلاة والسلام : - « ما حملك على ما فعلت ؟ » فقال : يا رسول اللّه ، إن عدو اللّه قال قولا عظيما ، زعم أن اللّه فقير ، وهم أغنياء ، فجحد ما قال ، فنزلت الآية ؛ تكذيبا له .
--> ( 1 ) راجع معنى المدراس في التعليق على تفسير الآية / 109 من سورة البقرة .