ابن عجيبة
438
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فَزادَهُمْ ذلك إِيماناً ويقينا وتثبيتا في الدين ، وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص ، فيزيد بحسب التوجه إلى اللّه والتفرغ مما سواه ، وينقص بحسب التوجه إلى الدنيا وشغبها ، ويزيد أيضا بالطاعة والنظر والاعتبار ، وينقص بالمعصية والغفلة والاغترار . ولما قال لهم الركب ذلك ؛ ليخوفهم ، قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي : كافينا اللّه وحده ، فلا نخاف غيره ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي : نعم من يتوكل عليه العبد ، وهي كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره ، وهي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقى في النار ، فَانْقَلَبُوا راجعين من حمراء الأسد ، متلبسين بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وهي العافية والسلامة ، وَفَضْلٍ وهي زيادة الإيمان وشدة الإيقان ، لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ من جراحة وكيد عدو ، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ ، الذي هو مناط الفوز بخير الدارين ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ؛ فقد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان ، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم الذي هو موجب الرضوان . ثم حذّرهم الحق تعالى ممن ثبّطهم عن اللحوق بالكفار ، وهو ركب عبد القيس ، تشبيها لهم بالشيطان ، فقال : إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يخوفكم أولياءه من المشركين ، أو يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ القاعدين من المنافقين ، فَلا تَخافُوهُمْ ؛ فإن أمرهم بيدي ، وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ؛ فإن الإيمان يقتضى إيثار خوف اللّه على خوف الناس . التفسير الثاني : أن يكون الكلام على غزوة بدر الصغرى : وذلك أن أبا سفيان لما انصرف من أحد نادى : يا محمد ، موعدنا بدر لقابل ، إن شئت ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن شاء اللّه تعالى » ، فلما كان العام القابل ، خرج أبو سفيان في أهل مكة ، حتى نزل مرّ الظهران ، فأنزل اللّه الرعب في قلبه ، وبدا له أن يرجع ، فلقى نعيم بن مسعود الأشجعي معتمرا ، فقال له : ائت المدينة وأعلمهم أنّا في جمع كثير ، وثبطهم عن الخروج ، ولك عندي عشر من الإبل ، فأتى المدينة فأخبرهم ، فكره أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم الخروج ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لأخرجنّ ، ولو وحدي » . فرجع الجبان وتأهب الشجعان ، فخرجوا حتى أتوا بدرا الصغرى ، ورجع أبو سفيان إلى مكة ، فسموا جيش السويق ، ووافق المسلمون السوق ببدر ، وكانت معهم تجارات ، فباعوا وربحوا ، وانصرف النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة « 1 » . فعلى هذا ، يقول الحق جل جلاله : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ، يعنى : في غزوة بدر الصغرى ، لميعاد أبي سفيان ، مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ يعنى : في غزوة أحد في العام الأول ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ بالخروج مع الرسول ، وَاتَّقَوْا اللّه في مخالفته ، أَجْرٌ عَظِيمٌ . الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ يعنى نعيم بن مسعود ، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم ، كما يقال : فلان يركب الخيل ، وما يركب إلا فرسا . أو : لأنه انضم إليه
--> ( 1 ) نزول الآية في قصة حمراء الأسد هو ما عليه جمهور المفسرين ، انظر : الطبري والمحرر الوجيز .