ابن عجيبة

437

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( الذين ) : مبتدأ ، وجملة ( للذين أحسنوا ) : خبر ، أو صفة للمؤمنين قبله ، أو نصب على المدح . يقول الحق جل جلاله : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فأطاعوه فيما ندبهم إليه من اللحوق بالمشركين ، إرهابا لهم ، مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ أي : الجرح ، فتحاملوا على أنفسهم حتى ذهبوا مع نبيهم ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ بأن فعلوا ما أمروا به ، وَاتَّقَوْا اللّه في مخالفة أمر رسوله ، أَجْرٌ عَظِيمٌ يوم يقدمون عليه . الإشارة : الذين استجابوا للّه فيما ندبهم من الوصول إلى حضرته ، وللرسول فيما طلبهم به من اتباع سنته ، فجعلوا قلوبهم محلا لحضرته ، وجوارحهم متبعة لشريعته ، من بعد ما أصابهم في طلب الوصول إلى ذلك قرح وضرب وسجن وإهانة ، فصبروا حتى ظفروا بالجمع بين الحقيقة والشريعة ، للذين أحسنوا منهم بالثبات على السير إلى الوصول إلى الحق ، واتقوا كل ما يردهم إلى شهود الفرق ، أجر عظيم وخير جسيم ، بالعكوف في الحضرة ، والتنعم بالشهود والنظرة . ثم قال الحق تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 173 إلى 175 ] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( 174 ) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 ) قلت : الموصول بدل من الموصول قبله ، و ( يخوف ) : يتعدى إلى مفعولين ؛ للتضعيف ، حذف الأول ، أي : يخوفكم أولياءه من الكفار ، أو حذف الثاني ، أي : يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج إلى ملاقاة العدو . وهنا تفسيران : أحدهما : أن يكون من تتمة غزوة أحد ، وهو الظاهر ، ليتصل الكلام بما بعده ، وذلك أن أبا سفيان لما همّ بالرجعة ليستأصل المسلمين ، لقيه معبد الخزاعي ، فقال له : إن محمدا خرج يطلبك في جمع لم أر مثله ، فدخله الرعب ، فلقيه ركب من عبد القيس يريد المدينة بالميرة ، فقال لهم : ثبطوا محمدا عن لحوقنا ، ولكم حمل بعير من الزبيب ، فلما لقوا المسلمين خوفوهم ، فقالوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، ومضوا حتى بلغوا حمراء الأسد ثم رجعوا ، فعلى هذا : يقول الحق جل جلاله : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ وهم ركب عبد قيس حيث قالوا للمسلمين : إِنَّ النَّاسَ يعنى أبا سفيان ومن معه ، قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ليرجعوا ليستأصلوكم فَاخْشَوْهُمْ وارجعوا إلى دياركم