ابن عجيبة

436

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولمّا ذكر استبشارهم بإخوانهم ذكر استبشارهم بما يخصهم فقال : يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ؛ وهو ثواب أعمالهم الجسماني ، وَفَضْلٍ وهو نعيم أرواحهم الروحاني ، وهو النظر إلى وجهه الكريم ، ويستبشرون أيضا بكونه تعالى لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ، ماتوا في الجهاد أو على فرشهم ، حيث حسنت سريرتهم وكرمت علانيتهم ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن للّه عبادا يصرفهم عن القتل والزلازل والأسقام ، يطيل أعمارهم في حسن العمل ، ويحسن أرزاقهم ، ويحييهم في عافية ، ويميتهم في عافية على الفرش ، ويعطيهم منازل الشهداء » « 1 » . قلت : ولعلهم العارفون باللّه ، جعلنا اللّه من خواصهم ، وسلك بنا مسالكهم . آمين . الإشارة : لا تحسبن الذين بذلوا مهجهم ، وقتلوا أنفسهم بخرق عوائدها ، وعكس مراداتها ، في طلب معرفة اللّه ، حتى ماتت نفوسهم ، وحييت أرواحهم بشهود محبوبهم ، حياة لا موت بعدها ، فلا تظن أيها السامع أنهم أموات ، ولو ماتوا حسا ، بل هم أحياء على الدوام ، وفي ذلك يقول الشاعر : موت التّقىّ حياة لا فناء لها * قد مات قوم وهم في النّاس أحياء فهم عند ربهم يشاهدونه مدة بقائهم ، يرزقون من ثمار المعارف وفواكه العلوم ، فرحين بما أتحفهم اللّه به من القرب والسر المكتوم ، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم في المرتبة ممن تعلق بهم ، وأنهم سيصلون إلى ما وصلوا إليه من معرفة الحي القيوم ، فلا يلحقهم حينئذ خوف ولا حزن ولا هم ولا غم ، لما سكن في قلبهم من خمرة محبة الحبيب ، والقرب من القريب المجيب ، وفي ذلك يقول ابن الفارض : وإن خطرت يوما على خاطر امرئ * أقامت به الأفراح ، وارتحل الهمّ يستبشرون بنعمة أدب العبودية ، وفضل شهود أسرار عظمة الربوبية ، وأن اللّه لا يضيع أجر المؤمنين المحبين لطريق المخصوصين ، فإن طريق محبة طريق القوم عناية ، والتصديق بها ولاية ، وباللّه التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق . ولما رجع أبو سفيان من غزوة أحد ، هو وأصحابه ، حتى بلغوا الروحاء ، ندم وهم بالرجوع ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فندب أصحابه للخروج في طلبه ، وقال : « لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس » ، فخرج صلّى اللّه عليه وسلم في سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي على ثمانية أميال من المدينة - وكان بأصحابه القرح ، فتحاملوا على أنفسهم كي لا يفوتهم الأجر ، وألقى اللّه الرعب في قلوب المشركين ، فذهبوا ، فأنزل اللّه - تعالى - في شأن من خرج مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 172 ] الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 172 )

--> ( 1 ) عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 203 للطبراني عن ابن مسعود مرفوعا . وفيه : جعفر بن محمود الواسطي الوراق ، قال الهيثمي : لم أعرفه وبقية رجاله ثقات .