ابن عجيبة
432
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : لقد منّ اللّه على المتوجهين إليه الطالبين لمعرفته ، حيث بعث لهم من يأخذ بأيديهم ، ويطوى مسافة البعد عنهم ، وهم شيوخ التربية ، يتلون عليهم آياته الدالة على كشف الحجاب وفتح الباب ، ويزكيهم من دنس العيوب المانعة لعلم الغيوب ، ثم يزكيهم من درن الحس إلى مشاهدة القرب والأنس ، ويعلمهم الكتاب المشتمل على عين التحقيق ، والحكمة المشتملة على التشريع وبيان الطريق ، فيجمعون لهم ما بين الحقيقة والشريعة ، وقد كانوا قبل ذلك في ضلال مبين عن الجمع بينهما . وهذه المنّة عامة في كل زمان ، إذ لا تخلو الأرض من داع يدعو إلى اللّه ، ومن اعتقد قطعه فقد قطع منة اللّه ، واستعجز قدرة اللّه ، وسد باب الرحمة في وجه عباد اللّه ، والعياذ باللّه . ولما استغرب الصحابة - رضى اللّه عنهم - ما وقع بهم يوم أحد ، مع كونهم وعدوا النصر ، نبههم الحق تعالى أن ذلك منهم بشؤم مخالفتهم ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 165 ] أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 165 ) قلت : الهمزة - للتفريع ، و ( لمّا ) : ظرف ، خافضة لشرطها ، منصوبة بجوابها ، وهي معطوفة على محذوف ، أي : أكان ما كان يوم أحد ، ولمّا أصابتكم مصيبة ، قلتم ما قلتم ، و ( قد أصبتم ) : جملة حالية . يقول الحق جل جلاله : أحين أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ يوم أحد بقتل سبعين منكم ، و قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها يوم بدر فقتلتم سبعين وأسرتم سبعين ، قُلْتُمْ أَنَّى هذا أي : من أين أصابنا هذا البلاء وقد وعدنا النصر ؟ قُلْ لهم : هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي : مما اقترفته أنفسكم من مخالفة المركز ، والنصر الموعود كان مشروطا بالثبات والطاعة ، فلما اختل الشرط اختل المشروط ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ؛ فيقدر على النصر بشرط وبغيره ، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب والشروط ؛ لأن هذا العالم قائم بين قدرة وحكمة . أو : ( قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) باختياركم الفداء يوم بدر . روى عن علي رضي اللّه عنه قال : ( جاء جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم يوم بدر فقال : خيّر أصحابك في الأسارى ، إن شاءوا القتل ، وإن شاءوا الفداء ، على أن يقتل منهم عاما مقبلا مثلهم ، قالوا : الفداء ويقتل منّا . ) . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إذا أصاب المريد شئ من المصائب والبلايا ، فلا يستغرب وقوع ذلك به ، ولا يتبرم منه ، فإنه في دار المصائب والفجائع ، « لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار ، فإنما أبرزت ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها » . وإذا كان أصابته مصيبة في وقت ، فقد أصابته نعم جمة في أوقات عديدة ، فليشكر اللّه على ما أولاه ، وليصبر على ما ابتلاه ، ليكون صبارا شكورا .