ابن عجيبة
430
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
مِنْ وَلَدٍ ، ودفع ما توهمه الرماة ، فقد روى أنه - عليه الصلاة والسلام - قال لهم لما تركوا المركز : « ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتّى يأتيكم أمرى ؟ » قالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « بل ظننتم أنّا نغلّ ولا نقسم لكم » . فنزلت الآية . وقيل إنه - عليه الصلاة والسلام - : بعث طلائع ، فغنم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقسم على من معه فقط ، فنزلت ، فاسترجع ذلك منهم . وقيل : في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر ، فقال المنافقون : لعلّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أخذها ، فنزلت . ثم ذكر وعيد الغلول ، فقال : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي : يأتي بالذي غله يحمله على رقبته ، قال عليه الصلاة والسلام : « لا ألقى أحدكم يوم القيامة يجئ على رقبته بعير له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر « 1 » . » ثم قال : « اللهمّ هل بلّغت ؟ ثلاثا » . كما في البخاري . ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما كَسَبَتْ تاما ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بنقص ثواب مطيعهم ، ولا يزاد على عقاب عاصيهم وكان اللائق بما قبله أن يقول : ثم يوفى ما كسب . لكنه عمم الحكم ؛ ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه ، وأنه إذا كان كل كاسب مجزيا بعمله ، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى . قاله البيضاوي . الإشارة : ما قيل في النبي - عليه الصلاة والسلام - يقال في ورثته الكرام ، كالأولياء والعلماء الأتقياء ، فإنهم ورثة الأنبياء ، فيظن بهم أحسن المذاهب ، ويلتمس لهم أحسن المخارج ، لأن الأولياء دلوا على معرفة اللّه ، والعلماء دلوا على أحكام اللّه ، وبذلك جاءت الرسل من عند اللّه ، فلا يظن بهم نقص ولا خلل ، ولا غلول ولا دخل ، فلهم قسط ونصيب من حرمة الأنبياء ، ولا سيما خواص الأولياء ، ومن يظن بهم نقصا أو خللا ، ويغل قلبه على شئ من ذلك ، فسيرى وباله يوم تفضح السرائر ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ، فلحوم الأولياء والعلماء سموم قاتلة ، وظن السوء بهم خيانة حاصلة . واللّه تعالى أعلم . فاعتقاد الكمال في الأنبياء والأولياء مستوجب لرضى اللّه ، والانتقاد عليهم موجب لمقت اللّه ، كما أشار إلى ذلك الحق - جلت قدرته - فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 162 إلى 163 ] أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 162 ) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 163 )
--> ( 1 ) تيعر : تصيح ، واليعار : صوت الشاة .