ابن عجيبة

423

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ونجاتها ، فقد طارت قلوبهم من الخوف ، فلا يتصور في حقهم النوم ، يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أي : غير الظن الحق ، لأنهم ظنوا أنه لا ينصر - عليه الصلاة والسلام ، وأن أمره مضمحل ، أو ظنوا أنه قتل ، ظنا كظن الجاهلية ، أهل الشرك ، يَقُولُونَ أي : بعضهم لبعض : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ أي : عزلنا عن تدبر أنفسنا ، فلم يبق لنا من الأمر من شئ . قاله ابن أبي ، لما بلغه قتل الخزرج . قُلْ لهم يا محمد : إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ؛ ليس بيد غيره شئ من التدبير والاختيار ، حال كون المنافقين يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ من الكفر والنفاق ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا أي : لو كان تدبيرا أو اختيارا ما خرجنا مع محمد حتى نقتل هاهنا ويقتل رؤساؤنا . قُلْ لهم يا محمد : أخرجتكم القدرة في سلسلة المقادير ، رغما على أنفكم ، فلو كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ آمنين لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ ، ووصل أجلهم إِلى مَضاجِعِهِمْ ومصارعهم ، رغما على أنفهم ، فإن اللّه قدّر الأمور ودبرها في سابق أزله ، لا معقب لحكمه ، وإنما فعل ذلك ، وأخرجكم إلى المعركة لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ أي : يختبر ما فيها من الخير أو الشر ، وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي : يكشف ما فيها من النفاق أو الإخلاص ، فقد ظهر خبث سريرتكم ومرض قلوبكم بالنفاق الذي تمكن فيه ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي : بخفاياها قبل إظهارها . وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غنى عن الابتلاء ، وإنما فعل ذلك ليميّز المؤمنين ويظهر حال المنافقين . قاله البيضاوي . الإشارة : ثم أنزل عليكم أيها الواصلون المتمكنون ، أو من تعلق بكم من السائرين ، من بعد غم المجاهدة وتعب المراقبة أمنة في قلوبكم بالطمأنينة بشهود اللّه ، وراحة في جوارحكم من تعب الخدمة في السير إلى اللّه ، حتى وصلتم فنمتم في ظل الأمن والأمان ، وسكنتم في جوار الكريم المنان . قال بعض العارفين : ( إذا انتقلت المعاملة إلى القلوب استراحت الجوارح ) « 1 » ، وهذه الراحة إنما تحصل للعارفين ، أو من تعلق بهم من المريدين ، وطائفة من غيرهم ؛ وهم المتفقرة الجاهلون ، الذين لا شيخ لهم ، قد أهمتهم أنفسهم ، تارة تصرعهم وتارة يصرعونها ، تارة تشرق عليهم أنوار التوجه ، فيقوى رجاؤهم في الفتح ، وتارة تنقبض عنهم فيظنون باللّه غير الحق ، ظن الجاهلية ، يقولون : هل لنا من الفتح من شئ ؟ . قل لهم : ( إن الأمر كله للّه ) ؛ يوصل من يشاء ويبعد من يشاء ، يخفون في أنفسهم من العيوب والخواطر الرديئة ما لا يبدون لك ، فإذا طال عليهم الفتح ، وغلب عليهم الفقر ، ندموا على ما فاتهم من التمتع بالدنيا ، يقولون : لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا بالذل والفقر والجوع ، قل لهم : ذلك الذي سبق في علم اللّه ، لا محيد لأحد عنه ، ليظهر الصادق في الطلب من الكاذب ، [ كن صادقا تجد مرشدا ] ، فلو صدقتم في الطلب لأرشدكم إلى من يوصلكم ويريحكم من التعب . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق .

--> ( 1 ) سبق بيان معنى العبارة عند إشارة الآية / 212 من سورة البقرة .