ابن عجيبة
421
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم بيّن وقت الذلة التي افتقرت إلى العفو ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 153 ] إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 153 ) قلت : ( إذ ) : ظرف لعفا ، أو اذكر . وأصعد : أبعد في الأرض ، وصعد : في الجبل ، فالإصعاد : الذهاب في الأرض المستوية ، والصعود : الارتقاء في العلو . وقرئ بهما معا ؛ لأنهما وقعا معا ، فمنهم من فر ذاهبا في الأرض ، ومنهم من صعد إلى الجبل . و ( لكيلا ) : متعلق بأثابكم . يقول الحق جل جلاله : ولقد عفا عنكم حين كنتم تُصْعِدُونَ عن نبيه - عليه الصلاة والسلام - ، منهزمين عنه ، تبعدون عنه ، وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ أي : لا يلتفت بعضكم إلى بعض ، ولا ينتظر بعضكم بعضا ، وَالرَّسُولُ محمد صلّى اللّه عليه وسلم يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي : في ساقتكم ، يقول : « إلىّ عباد اللّه ، أنا رسول اللّه ، من يكرّ فله الجنة » ، وفيه مدح للرسول صلّى اللّه عليه وسلم بالشجاعة والثبات ، حيث وقف في آخر المنهزمين ، فإن الآخر هو موقف الأبطال ، والفرار في حقه صلّى اللّه عليه وسلم محال . فَأَثابَكُمْ أي : فجازاكم على ذلك الفرار ، غَمًّا ؛ وهو ظهور المشركين عليكم وقتل إخوانكم ، بسبب غم أوصلتموه للنبي صلّى اللّه عليه وسلم بعصيانه والفرار عنه ، وقدّر ذلك لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الغنيمة ، وَلا على ما أَصابَكُمْ من الجرح والهزيمة ، لأن من استحق العقوبة والأدب لا يحزن على ما فاته ولا على ما أصابه ؛ إذ جريمته تستحق أكثر من ذلك ، يرى ما نزل به بعض ما يستحقه ، فيهون عليه أمر ما نزل به أو ما فاته من الخير . أو يقول : فَأَثابَكُمْ غَمًّا متصلا بِغَمٍّ ؛ فالغم الأول : ما فاتهم من الظفر والغنيمة ، والثاني : ما نالهم من القتل والهزيمة ، أو الأول : ما أصابهم من القتل والجراح ، والثاني : ما سمعوا من الإرجاف بقتل النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك ليتمرنوا على المحن والشدائد حتى لا يجزعوا من شئ . وبذلك وصفهم كعب بن زهير في لاميته ، حيث قال : لا يفرحون إذا نالت رماحهم * وليسوا مجازيعا إذا نيلوا فإن المتمرن على المصائب المتعود عليها يهون عليه أمرها ، فلا يحزن على ما أصابه ولا ما فاته ، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ وبما قصدتم ، فيجازيكم على ذلك .