ابن عجيبة
417
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( كأيّن ) : أصله : أي ، دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى ( كم ) ، وأثبت التنوين نونا على غير قياس ، وقرأ ابن كثير : ( وكائن ) ، على وزن فاعل ، ووجهه : أنه قلب الياء قبل الهمزة فصار : كياء ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فصار كائن ، وهما لغتان ، وقد جمع الشاعر بينهما في بيت ، فقال : كأيّن أبدنا من عدوّ بعزّنا * وكائن أجرنا من ضعيف وخائف و ( الربّيون ) : جمع ربّة ، أي : الفرقة . أي : معه جموع كثيرة ، وقيل : العلماء الأتقياء ، وقيل : الولاة ، وهو : إما مبتدأ فيوقف على ( قتل ) ، أو نائب فاعل ( قتل ) ، أو فاعل على من قرأ بالبناء له ، و ( كثير ) : نعت له ، كقوله : وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ؛ لأن فعيلا يخبر به عن المفرد والجمع . يقول الحق جل جلاله : وَكَأَيِّنْ ؛ وكم مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ في المعركة ومعه جموع كثيرة ، أو ربانيون علماء أتقياء ، فلم يفشلوا ولم يضعفوا ، بل ثبتوا على دينهم وجهاد عدوهم ، أو يقول : كثير من الأنبياء قتل معهم ربانيون كثير ، أي : ماتوا في الحرب فثبت الباقون ، ولم يفتروا ولم يضعفوا عن عدوهم ، ويترجح الأول بما صرخ به الصارخ يوم أحد : إن محمدا قد مات ، فضرب لهم المثل بقوله : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ ، ويترجح الثاني بأنه لم يقتل نبي قط في المحاربة . أو : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ أي : جاهد معه رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ، وبعد ما قتل نبيهم أو جموعهم فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي : فما فتروا ، ولم ينكسر جندهم ؛ لأجل ما أصابهم من قتل نبيهم أو بعضهم ، وَما ضَعُفُوا عن جهاد عدوهم ولا عن دينهم ، وَمَا اسْتَكانُوا أي : خضعوا لعدوهم ، من السكون ؛ لأن الخاضع يسكن لعدوه يفعل به ما يريد ، فالألف إشباع زائد ، أي : فما سكنوا لعدوهم بل صبروا له ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ فينصرهم ويعزهم ويعظم قدرهم . وَما كانَ قَوْلَهُمْ عند قتل نبيهم مع ثباتهم على دينه ، إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا الصغائر ، وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا أي : ما تجاوزنا به الحد في أمر ذنوبنا ، كالكبائر ، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا في مداحض الحرب ؛ لئلا ننهزم ، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ من أعدائنا ، فهّلا فعلتم مثلهم ، وقلتم ذلك يا أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم . فَآتاهُمُ اللَّهُ في ثواب الاستغفار واللجوء إلى اللّه ثَوابَ الدُّنْيا وهو النصر والغنيمة والعز وحسن الذكر ، وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وهو النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد ، وخص ثواب الآخرة بالحسن ؛ إشعارا بفضله ، وأنه المعتد به عنده ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الثابتين على دينهم ، لأنهم أحسنوا فيما بينهم وبين ربهم بحفظ دينه ، فأحبهم اللّه وقربهم إلى حضرته .