ابن عجيبة

414

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الصادق في الطلب من الكاذب ، فإنّ محبة اللّه مقرونة بالبلاء ، وليتخذ منهم شهداء إن ماتوا على ذلك ، كالحلاج وغيره ، أو يتخذ منهم شهداء الملكوت إن صبروا حتى ظفروا بالشهود . ( واللّه لا يحب الظالمين ) أي : المؤذين لأوليائه ، بل يمقتهم ويبعدهم . ( وليمحص اللّه الذين آمنوا ) بطريق الخصوص ، أي : يخلصهم من بقايا الحس ، سلط عليهم الناس ، وليمحق المنكرين عليهم بما يصيبهم من إيذايتهم ، فإن المنكر على أهل النسبة كمن يدخل يده في الغيران « 1 » ، فإذا سلم من الأول والثاني ، قال : لا يلحقني منهم شئ ، فإذا أدخل يده في غار آخر لدغته حية فأهلكته . أم حسبتم يا معشر المريدين أن تدخلوا جنة المعارف ، ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا نفوسهم ، ويعلم الصابرين على إيذاية من آذاهم ، ولقد كنتم تمنون موت نفوسكم وتطلبون ما يعينكم على موتها من قبل أن تلقوا الجلال ، فقد رأيتموه وعاينتموه وأنتم تنظرون ما أصاب الأولياء غيركم ، فما لكم تجزعون منه وتفرون من مواطنه ؟ . وكان شيخ شيوخنا رضي اللّه عنه يقول : العجب كل العجب ، ممن يطلب معرفة اللّه ، فإذا تعرف إليه أنكره . وفي الحكم : « إذا فتح اللّه لك وجهة من التعرف فلا تبال معها ، وإن قلّ عملك ، فإنه ما فتحها إلا وهو يريد أن يتعرف إليك فيها ، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك ، والأعمال أنت مهديها إليه ، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك ؟ » . وباللّه التوفيق . ثم وبّخهم على ما وقع لهم من الفشل ، حين سمعوا بموت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 144 إلى 145 ] وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) قلت : ( كتابا ) : مصدر ، أي : كتب الموت كتابا مؤجلا . يقول الحق جل جلاله : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ يصيبه ما أصابهم ، قَدْ مضت مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، فسيمضى كما مضوا بالموت أو القتل ، أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ بعد تقرر شريعته

--> ( 1 ) الغيران : جمع غار ، ويجمع أيضا على أغوار .