ابن عجيبة
407
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم وصف أهلها من المتقين بأوصاف الكمال ، فقال : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ أي : في حالتي الرخاء والشدة ، وفي الأحوال كلها ، كما هي حالة الأسخياء ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « الجنّة دار الأسخياء » . وقال أيضا : « السّخى قريب من اللّه ، قريب من الجنّة ، قريب من النّاس ، بعيد من النّار ، والبخيل بعيد من اللّه ، بعيد من الجنّة ، بعيد منّ النّاس ، قريب من النّار . ولجاهل سخى أحبّ إلى اللّه من العالم البخيل » . وقال أيضا صلّى اللّه عليه وسلم : « السّخاء شجرة في الجنة ، أغصانها في الدّنيا ، من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنّة ، والبخل شجرة في النّار ، أغصانها في الدّنيا ، من تعلق ببعض من أغصانها قادته إلى النّار » . وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أي : الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه ، قال عليه الصلاة والسلام : « من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه ؛ ملأ اللّه قلبه أمنا وإيمانا » . وقال بعض الشعراء : وإذا غضبت فكن وقورا كاظما * للغيظ ، تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا ، تصبّر ساعة * يرضى بها عنك الإله ويرفع « 1 » وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ أي : عمن ظلمهم ، وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال عند ذلك : « إنّ هؤلاء في أمتي قليل ، إلا من عصم اللّه ، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت » . وعن أبي هريرة : أن أبا بكر كان مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم في مجلس ، فجاء رجل فوقع في أبى بكر ، وهو ساكت ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم يبتسم ، ثم ردّ عليه أبو بكر بعض الرد ، فغضب عليه الصلاة والسلام - وقام ، فلحقه أبو بكر ، وقال : يا رسول اللّه ، شتمني وأنت تبتسم ، ثم رددت عليه بعض ما قال ، فغضبت وقمت . قال : « حين كنت ساكتا كان معك ملك يردّ عليه ، فلما تكلمت وقع الشيطان ، فلم أكن لأقعد في مقعد فيه الشيطان ، يا أبا بكر ، ثلاث حق : تعلم أنه ليس عبد يظلم مظلمة فيعفو عنها إلا أعز اللّه بها نصره ، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده اللّه قلة ، وليس عبد يفتح عطية أو صلة إلا زاده اللّه بها كثرة » . وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الذي أحسنوا فيما بينهم وبين اللّه ، وفيما بينهم وبين عباد اللّه ، و « أل » : يحتمل أن تكون للجنس ، فيعم كل محسن ، أو للعهد ، فتكون الإشارة إلى من تقدم ذكرهم . الإشارة : كل ما يقوى مادة الحس فهو ربا ؛ لأنه يربى الحس ويقوى مادة الغفلة ، فلا ينبغي لمريد أن يضاعفه ويتعاطى أسباب تكثيره ، بل ينبغي أن يفر من موارده ، وهي ثلاثة : مباشرة الحس ، أو الفكر فيه ، أو الكلام مع أهله
--> ( 1 ) البيتان لأبى القاسم بن حبيب ، كما في تفسير البحر المحيط : 3 / 63 .