ابن عجيبة
405
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم عطف على قوله : لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ قوله : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إن أسلموا أَوْ يُعَذِّبَهُمْ إن لم يسلموا ، فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ قد استحقوا العذاب بظلمهم ، والأمور كلها بيد اللّه ، وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وعبيدا ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ غفرانه ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه ، ولا يجب عليه شئ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لعباده ، فلا تبادر بالدعاء عليهم . الإشارة : وما جعل اللّه التأييد الذي ينزله على أهل التجريد ، حين يقابلهم بالابتلاء والتشديد ، إذا أراد أن يوصلهم لصفاء التوحيد ، إلا بشارة لفتحهم ، ولتطمئن بمعرفته قلوبهم ، فإن الامتكان على قدر الامتحان ، وكل محنة تزيد مكنة ، وهذه سنة اللّه في أوليائه ؛ يسلط عليهم الخلق في بدايتهم ، ويشدد عليهم البلاء ، حتى إذا طهروا من البقايا ، وكملت فيهم المزايا ، كف عنهم الأذى ، وانقلب الجلال جمالا ، وذلك اعتناء بهم ، ونصرا لهم على أنفسهم ، فإن النصر كله مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . وذلك ليقطع عنهم طرفا من الشواغل والعلائق ، التي تقبضهم عن العروج إلى سماء الحقائق ، فإن الروح إذا رقدت في ظل العز والجاه صعب خروجها من هذا العالم ، فإذا ضيق عليها ، وعكس مرادها ، رحلت إلى عالم الملكوت ، والأمر كله بيد اللّه . ليس لك أيها الفقير من الأمر شئ ، إنما أنت مأمور بتحريك الأسباب « 1 » واللّه يفتح الباب . وليس لك أيها الشيخ من الأمر شئ ، إنما أنت مذكر ، وعلى اللّه البلاغ ، فلا تأس على ما فاتك ، ولا تفرح بما آتاك ، فملكوت السماوات والأرض بيد اللّه ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قال القشيري : جرّده - أي : نبيه صلّى اللّه عليه وسلم لما به عرفه عن كلّ غير وسبب ، حيث أخبره أنه ليس له من الأمر شئ ، ثم قال : ويقال : أقامه في وقت مقاما ؛ رمى بقبضة من التراب ، فأصابت جميع الوجوه ، وقال : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وقال في وقت آخر : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ . ه . يشير إلى أنهما مقامان : نيابة عن اللّه باللّه ، ونيابة اللّه عن عبده ، والأول بقاء ، والثاني فناء ، قاله المحشى . قلت : الأول في مقام البسط ، والثاني في مقام القبض ، فقد قالوا : إذا بسط فلا فاقة ، وإذا قبض فلا طاقة . واللّه تعالى أعلم . ولمّا كان النصر في الجهاد لا يكون إلا بأكل الحلال وطاعة الكبير المتعال ، قدّم ذكر ذلك قبل الأمر بالقتال في قضية أحد ، فقال :
--> ( 1 ) في « أ » السبب .