ابن عجيبة

401

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ظهرت البغضاء من أفواههم ، وما تحفى صدورهم أكبر ، فإن كنتم أيها الفقراء تحبون لهم الخير فإنهم بعكس ذلك ، وإن كنتم تقرون شريعتهم فإنهم لا يؤمنون بحقيقتكم ، بل ينكرونها عليكم ، ومنهم من يتصف بالنفاق ، إذا لقى أهل الخصوصية أظهر التصديق والمحبة ، وإذا خلا مع العامة أظهر العداوة والحنق ، وإن تمسسكم أيها الفقراء حسنة ، كعز وفتح وشهود ومعرفة تسؤهم ، وإن تصبكم سيئة ؛ كمحنة أو بلية ، يفرحوا بها ، وإن تصبروا على أذاهم وجفوتهم ، وتتقوا شهود السوي فيهم ، لا يضركم كيدهم شيئا ؛ ( إن اللّه بما يعملون محيط ) . ولما فرغ الحق تعالى من معاتبة أهل الكتابين ، شرع في معاتبة بعض المسلمين ؛ لما وقع لهم في غزوة أحد من الفشل ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 121 إلى 122 ] وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 ) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 122 ) يقول الحق جل جلاله : واذكر يا محمد حين غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ من منزل عائشة ، الذي نزلت فيه بأحد ، حين خرجت بها ، حال كونك تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ أي : تهيئ لهم ، مَقاعِدَ لِلْقِتالِ أي : مواقف وأماكن يقفون فيها للحرب وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوالكم ، عَلِيمٌ بإخلاصكم . قال الواقدي : خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم من منزل عائشة - رضي اللّه عنها - ماشيا على رجليه إلى أحد ، فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح « 1 » . إن رأى صدرا خارجا ، قال : تأخر . وذلك أن المشركين نزلوا بأحد ، يوم الأربعاء ، فلما سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ، ودعا عبد اللّه بن أبي بن سلول - ولم يدعه قط قبلها - فاستشاره ، فقال عبد اللّه بن أبي وأكثر الأنصار : يا رسول اللّه ؛ أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم ، فو اللّه ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه ، فكيف وأنت فينا ! فدعهم يا رسول اللّه ، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة ، وإن رجعوا رجعوا خاسئين . فأعجب النبي صلّى اللّه عليه وسلم هذا الرأي ، وقال بعض أصحابه : يا رسول اللّه ؛ اخرج بنا إلى هذه الأكلب « 2 » ؛ لا يرون أنا جبنّا عنهم وضعفنا . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّى رأيت في منامي بقرا تذبح ، فأولتها ناسا من أصحابي يقتلون ، ورأيت في ذباب سيفي ثلما « 3 » ، فأولتها هزيمة ، ورأيت أنى أدخل يدي في درع حصينة ، فأولتها المدينة ، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم فافعلوا » . فقال رجال ممن فاتهم بدر ، وأكرمهم اللّه بالشهادة يوم أحد : اخرج بنا

--> ( 1 ) القدح - بالكسر : السهم قبل أن ينصل ويراش . ( 2 ) في نسخة : ( الكلاب ) ، وكلاهما صحيح ؛ فالكلب يجمع على كلاب وأكلب . ( 3 ) الثلم : الكسر .