ابن عجيبة
399
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم حذّر الحق تعالى من مخالطة أهل التخليط ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 118 إلى 120 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 118 ) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 119 ) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 120 ) قلت : بطانة الرجل : خواصه الذين يطلعهم على باطنه وسره ، وسميت بطانة ؛ تشبيها لها بالثوب الذي يلي بطنه كالشعار . قال عليه الصلاة والسلام : « الأنصار شعار والنّاس دثار » . وهي اسم تطلق على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث . والألو : التقصير ، وأصله : أن يتعدى بالحرف ، تقول : لا آلو في نصحك ؛ أي : لا أقصر فيه . ثم عدى إلى مفعولين ، كقولهم : لا آلوك نصحا ، على تضمن معنى المنع أو النقص . والخبال : الفساد . و ( ما عنتم ) : مصدرية ، والعنت : التعب والمشقة ، والأنامل : جمع أنملة - بضم الميم وفتحها - ، والضير والضر واحد . ومضارع الأول : يضير ، والثاني : يضر ، وهو هنا مجزوم ، وأصله : يضرركم ، نقلت حركة الراء إلى الضاد ، وضمت الراء ، اتباعا لحركة الضاد طلبا للمشاكلة . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً أي : أصدقاء وأصفياء ، تطلعونهم على سركم ، وهم مِنْ دُونِكُمْ ليسوا على دينكم ، فإنهم لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أي : لا يقصرون جهدهم في إدخال الفساد بينكم بالتخليط والنميمة واطلاع الكفار على عورتكم . نزلت في رجال من المسلمين ، كانوا يصلون رجالا من اليهود ؛ لما كان بينهم من القرابة والصداقة ، أو في المنافقين ؛ كان يصلهم بعض المسلمين . ثم وصفهم بأوصاف توجب التنفير منهم فقال : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي : تمنوا عنتكم وهلاككم وضلالكم ، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ أي : ظهرت أمارة العداوة من أفواههم بالوقيعة في المسلمين ، أو باطلاع المشركين على عوراتهم ، أو في كلامهم مع المسلمين بالغيظ ، لأنهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم ، وَما تُخْفِي