ابن عجيبة

389

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم قال لهم : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ أي : مشرفين على نار جهنم ، إذ لو أدرككم الموت لوقعتم في النار ، فَأَنْقَذَكُمْ اللّه مِنْها برسوله - عليه الصلاة والسلام - . روى أن أعرابيا سمع ابن عباس يقرأ هذه الآية ، فقال الأعرابي : واللّه ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها ، فقال ابن عباس رضي اللّه عنه خذوها من غير فقيه . ه . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي : مثل هذا التبيين يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إلى الخير ، وتزيدون ثباتا فيه . الإشارة : المذاهب كلها وقع فيها الاختلاف والتفرق في الأصول والفروع ، إلا مذاهب الصوفية فكلها متفقة بداية ونهاية ، إذ بدايتهم مجاهدة ، ونهايتهم مشاهدة ، وإلى ذلك أشار في المباحث ، حيث قال : مذاهب الناس على اختلاف * ومذهب القوم على ائتلاف وإن وقع الاختلاف في بعض الطرق الموصلة إلى المقصود ، فقد اتفقت في النهاية ، بخلاف أهل الظاهر ، لا تجدهم يتفقون إلا في مسائل قليلة ، لأن مذهبهم مبنى على غلبة الظن ، ومذهب القوم مبنى على التحقيق ذوقا وكشفا ، وكذلك ائتلفت أيضا قلوبهم وأرواحهم ، إذ كلهم متخلقون بالشفقة والرأفة والمودة والألفة والصفا ؛ لأنهم دخلوا الجنة - أعنى جنة المعارف - فتخلقوا بأخلاق أهل الجنة ، قال تعالى : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ، فيقال لهم بعد الفتح : واذكروا نعمة اللّه عليكم ، إذ كنتم أعداء قبل اتصالكم بالطبيب ، فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخوانا متحابين ، وكنتم على شفا حفرة من نار القطيعة والحجاب فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها . مثل هذا البيان يوضح اللّه آياته ، أي : تجلياته ، لعلكم تهتدون إلى مشاهدة ذاته في أنوار صفاته . واللّه تعالى أعلم . ثم أمرهم الحق تعالى بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ووجه اتصاله بما قبله : أنهم سكتوا حين حرّش بينهم اليهود حتى هموا بالقتال ، ولم يأمرهم أحد بالإمساك عنه ، فحذّرهم اللّه من نزغته ، وحضّهم على الاجتماع ، وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهى عن النكر إذا رأوا شيئا من ذلك ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 104 ] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) قلت : ( من ) : للتبعيض ؛ لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفاية ؛ إذ لا يصلح له كلّ أحد ، أو للبيان ، أي : كونوا أمة تأمرون بالمعروف ، كقوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ إلخ ، و ( يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) عطف على الخبر ، من عطف الخاص على العام ؛ للإيذان بفضله .