ابن عجيبة

386

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عن طريق الله مَنْ آمَنَ بها ، وتبع من جاء بها ، تَبْغُونَها عِوَجاً أي : طالبين لها اعوجاجا ، بأن تلبسوا على الناس ، وتوهموا أن فيها عوجا عن الحق ، بزعمكم أن التوراة لا تنسخ ، وبتغيير صفة الرسول - عليه الصلاة والسلام ، أو بأن تحرشوا بين المسلمين ؛ لتختلف كلمتهم ، ويختل أمر دينهم ، وأنتم شهداء على أنها حق ، وأن الصد عنها ضلال ، أو : وأنتم عدول عند أهل ملتكم ، يثقون بأقوالكم ، ويستشهدونكم في القضايا ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ؛ فلا بد أن يجازيكم على أعمالكم ، فإنه يمهل ولا يهمل . كرّر الخطاب والاستفهام مرتين ؛ مبالغة في التقريع ونفى العذر ، وإشعارا بأن كل واحد من الأمرين مستقبح في نفسه ، مستقل باستجلاب العذاب . ولمّا كان المنكر عليهم في الآية الأولى : كفرهم ، وهم يجهرون به ، ختم بقوله : وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ، ولمّا كان في هذه الآية : صدهم المؤمنين عن الإسلام ، وكانوا يخفونه ويحتالون فيه ، قال : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . قاله البيضاوي . الإشارة : كل من جحد وجود الخصوصية عند أهلها ، وصد القاصدين للدخول فيها ، استحق هذا العتاب بلا شك ولا ارتياب . والله تعالى أعلم . ثم حذّر المؤمنين من الاستماع لهم ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 100 إلى 102 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ( 100 ) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 101 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 102 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، الخطاب عام ، والمراد : نفر من الأوس والخزرج ، إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، وهو شاس بن قيس اليهودي ، كان شيخا كبيرا ، وكان عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين ، مرّ بنفر من الأوس والخزرج ، جلوسا يتحدثون ، وكان بينهما عداوة في الجاهلية ، فغاظه تآلفهم واجتماعهم ، وقال : قد اجتمع ملأ بنى قيلة بهذه البلاد ، فما لنا معهم قرار ، فأمر شابا من اليهود أن يجلس بينهم ويذكّرهم يوم بعاث - وهو يوم حرب كان بينهم في الجاهلية - وينشدهم بعض ما قيل فيه ، وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس ، ففعل ، وتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا ، وقالوا : السلاح السلاح ، واجتمع من القبيلتين خلق عظيم ، فتوجه إليهم رسول صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فقال : « أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ، بعد إذ أكرمكم اللّه بالإسلام ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، وألّف بينكم ؟ » فعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم ، فألقوا السّلاح ، واستغفروا ، وعانق بعضهم بعضا ، وانصرفوا مع الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - فنزلت الآية .